تنجلي غبار المعارك العسكرية والسياسية في المنطقة لتكشف عن حقيقة دامغة لطالما تكررت عبر التاريخ، وهي أن الحروب في جوهرها فعل عبثي لا ينتج رابحين، بل يخلف قوافل من الخاسرين، تماماً كما هي الحرب الآن بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.
أرى أن الولايات المتحدة الأمريكية تقف أمام تحول جذري في عقيدتها السياسية تجاه الشرق الأوسط، يجسده بوضوح توجه الرئيس دونالد ترامب، الذي وصل إلى قناعة راسخة بأن هذه الحروب الممتدة هي حروب عبثية بامتياز، تستنزف الموارد الأمريكية وتكلف الخزانة مليارات الدولارات دون تحقيق أي عائد استراتيجي حقيقي لبلاده. ويعيد ترامب صياغة الموقف الأمريكي بناءً على مبدأ “أمريكا أولاً”، وهو المبدأ الذي لا يرى في حروب الشرق الأوسط سوى مستنقعات بلا قاع، ولّدت توجهاً أمريكياً صارماً يرفض منح شيكات على بياض لأي حليف، بما في ذلك إسرائيل.
أما في إسرائيل، فقد تلاشت أوهام الحسم العسكري السريع وبناء الردع المطلق، وواجه المجتمع الإسرائيلي حقيقة أن القوة العسكرية المفرطة تعجز عن توفير الأمن الحقيقي في محيط رافض، مما أدى إلى تآكل الجبهة الداخلية، وزيادة الشكوك حول جدوى الرهان على استمرار الحروب كأداة وحيدة لضمان البقاء.
وفي إيران، أثبتت الوقائع أن تكلفة الطموحات الإقليمية والتوسع العسكري الخارجي أصبحت عبئاً ثقيلاً على الداخل الإيراني، وبات الشارع الإيراني يطالب بإنعاش الاقتصاد المتهالك وتوجيه الموارد نحو التنمية الداخلية بدلاً من استنزافها في جبهات خارجية لم تحقق في النهاية أي تفوق استراتيجي ملموس، بل عمّقت من عزلتها الدولية.
وفي المجتمعات التي انخرطت في هذا الصراع، تحولت تطلعات الشعوب من الرغبة في التنمية والرفاهية والابتكار إلى مجرد السعي وراء الأمان وتأمين الاحتياجات الأساسية، وهذه الهجرة القسرية للأولويات من البناء والتطوير إلى البقاء والتحصين هي الخسارة الحقيقية التي تدفع الشعوب ثمنها من مستقبل أجيالها.
إن القراءة المتأنية للمشهد الإقليمي والدولي الراهن تؤكد أن الجولات الأخيرة من الصراع لم تحقق أي نتائج استراتيجية ملموسة لأي من الأطراف المتنازعة، بل إن تكلفتها الباهظة تجاوزت الأرقام الاقتصادية المباشرة؛ لتمتد إلى البنى السياسية والاجتماعية، وتعيد صياغة تطلعات الشعوب وصناع القرار على حد سواء، من الخليج إلى إيران، وصولاً إلى الولايات المتحدة وإسرائيل.
وعند تقييم آثار الحروب، يميل المحللون عادة إلى رصد الخسائر المادية المباشرة، من تدمير للبنية التحتية، وإنفاق عسكري هائل، وتراجع في معدلات النمو. لكن الفاتورة الحقيقية للصراع الراهن تبدو أكثر عمقاً وتأثيراً في المديين المتوسط والبعيد، إذ أحدثت هذه الحرب شرخاً في الثقة العامة تجاه الأنظمة والسياسات الدولية، وأفرزت حالة من عدم الاستقرار الاجتماعي نتيجة القلق المستمر على المستقبل.
لقد أحدثت عبثية هذه الحرب هزة ارتدادية غيرت من طبيعة التطلعات السياسية والشعبية في كافة العواصم المعنية بالصراع؛ ففي دول الخليج العربي، ترسخت القناعة بأن الأمن المستدام لا يمكن تحقيقه عبر تبني سياسات المحاور أو الانجرار وراء حروب بالوكالة لا تنتهي، حيث تحولت تطلعات الخليج بشكل حاسم نحو حماية المكتسبات التنموية الشاملة، وتعزيز تصفير الأزمات، والتركيز على بناء اقتصادات مستدامة وقائمة على المعرفة، بعيداً عن تقلبات أسواق الصراع.
وفي خضم هذا الاستقطاب الحاد، برز الموقف العقلاني والمتزن لدول الخليج العربي كنموذج يحتذى به في إدارة الأزمات الكبرى؛ فبدلاً من الانجرار إلى آتون العواطف السياسية أو الانحياز الأعمى لمستنقع الحروب العبثية، اختارت العواصم الخليجية مسار الحكمة وتغليب لغة العقل والتهدئة الدبلوماسية. لقد أثبتت دول الخليج أن قوتها الحقيقية تكمن في قدرتها على الحفاظ على استقرارها الداخلي، ومواصلة قفزاتها التنموية الشاملة، وتقديم المبادرات الإنسانية، لتصبح الركيزة الأساسية والصوت العاقل والوحيد وسط إقليم يغلي بالقرارات الانفعالية والمغامرات غير محسوبة العواقب.
كما أن هذا المشهد المعقد وضع المنظومة الدولية برمتها أمام اختبار أخلاقي وقانوني عسير، كشف عن عجز واضح في آليات مجلس الأمن والأمم المتحدة عن لجم جماح القوى المتصارعة. إن استمرار المعارك دون أفق يلوح في الأفق يعكس تآكلاً مخيفاً في هيبة القانون الدولي، حيث لم تعد القوانين والمواثيق قادرة على حماية المدنيين أو منع تدمير المقدرات الإنسانية، مما يفرض ضرورة ملحة لإعادة هيكلة النظام الدولي ليكون أكثر عدالة وقدرة على فرض السلم وحل النزاعات بشكل استباقي.
أضف إلى ذلك، فإن هذه الحرب الصفرية قد عجلت بولادة نظام اقتصادي عالمي بديل ومتعدد الأقطاب، حيث دفعت العقوبات المتبادلة والاضطرابات في سلاسل التوريد وممرات الملاحة الدولية الكثير من الدول إلى إعادة النظر في تحالفاتها الاقتصادية واعتمادها على العملات التقليدية. لقد بدا واضحاً أن أمن الطاقة والغذاء لم يعد رهناً بقرارات عاصمة واحدة، بل أصبح يتطلب مرونة استراتيجية وشراكات دولية جديدة تتجاوز حدود الجغرافيا وصراعاتها التقليدية.
ويبدو أن الإدارة الأمريكية الحالية لم تعد تكترث لما تريده إسرائيل أو تطلبه للاستمرار في مغامراتها العسكرية، فالمصلحة الأمريكية العليا باتت تقتضي التهدئة، والانكفاء نحو الداخل لمعالجة الملفات الاقتصادية الشائكة، ومواجهة المنافسة المتصاعدة مع القوى العظمى الأخرى مثل الصين وروسيا. هذا التحول يعني أن الغطاء الأمريكي المطلق وغير المشروط الذي طالما اعتمدت عليه تل أبيب في حروبها قد بدأ يتآكل، حيث يدرك ترامب أن الاستمرار في دعم حرب بلا أفق سياسي واضح سيعود بالضرر المباشر على شعبيته وعلى الاستقرار الاقتصادي لبلاده.
إن النتيجة الصفرية لهذه الحرب – حيث لا غالب خرج منتصراً ولا مغلوب تم سحقه – تؤكد أن أدوات الصراع التقليدية لم تعد صالحة لفرض الإرادات السياسية في القرن الحادي والعشرين، وقد فرضت التكلفة الباهظة والعبثية الواضحة لهذه المواجهات واقعية سياسية جديدة على الجميع.
أرى أن المخرج الوحيد من هذه الدوامة العبثية يكمن في الانتقال من لغة السلاح إلى لغة الدبلوماسية وبناء شبكات الأمان الإقليمية القائمة على المصالح الاقتصادية المتبادلة واحترام السيادة، فالشعوب، من الخليج إلى إيران، تعبت من كلفة الحروب وتتطلع اليوم إلى الاستقرار والنماء، بينما القوى الدولية، وعلى رأسها واشنطن، بدأت ترفع يدها عن تمويل صراعات لا تنتهي، ليدرك الجميع في النهاية أن السلام ليس خياراً أخلاقياً فحسب، بل هو ضرورة وجودية واقتصادية حتمية فرضتها نتائج الحرب الصفرية.
