لطالما كانت القاهرة مدينة تأسر القلوب بعراقتها، لكن زيارتها في الأوقات الاعتيادية قد تشكل تحدياً لمحبي الهدوء بسبب صخبها وازدحامها المعهود. بدأت رحلتي بنصيحة ثمينة من صديق مقرب، أخبرني فيها بأن أفضل وقت لزيارة المتحف المصري الكبير هو فترة أيام العيد؛ فالقاهرة خلال هذه الإجازة تبدو هادئة، وتتحرر شوارعها من تكدس السيارات، مما يتيح للزائر فرصة ذهبية للتأمل والاستمتاع. وكوني شغوفاً بالتاريخ والتحف، ومؤسساً لمتحف خاص بالضوء والتصوير في دبي، لم أتردد لحظة واحدة في اتباع نصيحته، وحزمت أمتعتي مدفوعاً بفضول جارف لرؤية هذا الصرح الثقافي العالمي الجديد.
عدت بذاكرتي قبل الزيارة إلى ذكريات قديمة حين زرت متحف القاهرة القديم في ميدان التحرير. آنذاك، كان المتحف يعج بالحياة، ولكنه كان مكتظاً لدرجة مربكة، ليس فقط بالزوار، وإنما بالقطع الأثرية الثمينة التي رُصت بجانب بعضها البعض دون مساحات كافية للتنفس، حتى كان من الصعب على العين أن تميز بين تحفة وأخرى أو تمنحها حقها من التأمل. وفي الواقع، كانت المتاحف الأوروبية التي زرتها سابقاً تبدو أكثر تنظيماً وتنسيقاً من متحف التحرير القديم. غير أن ما رأيته في المتحف المصري الكبير كان مفاجأة سارة بكل المقاييس؛ إذ تدار العمليات هناك بواسطة شركة خاصة متخصصة، مما أضفى لمسة احترافية واضحة على التجربة بأكملها. كانت الزيارة موفقة ومسهلة للغاية، حيث اخترنا مرشداً سياحياً مؤهلاً تم تدريبه من قبل الشركة المديرة، ووجدناه في انتظارنا بالوقت والمكان المحددين بدقة، دون أي عشوائية أو تفاصيل غير مدروسة.
استقبلنا المتحف بأجمل ترحيب ممكن، تجسد في تمثال الملك رمسيس الثاني العظيم الذي يقف شامخاً في البهو الرئيسي، بارتفاع شاهق يفوق الأحد عشر متراً ويزن أكثر من ثمانين طناً، ليبهج الأنظار بعظمته ويهيئ الزائر لرحلة استثنائية عبر الزمن. لفت انتباهي الحضور المتنوع في أروقة المتحف؛ فالجمهور كان مزيجاً رائعاً من المواطنين والأجانب. وبادرتني لفتة ذكية ومشرّفة من إدارة المتحف بتخصيص أسعار رمزية وخاصة لدخول المواطنين المصريين، وهو قرار صائب ومبشر يشجعهم على الارتباط بجذورهم ومعرفة تفاصيل حضارتهم العريقة. أما السياح الأجانب، فقد بدت عليهم علامات الانبهار والذهول الشديد، حتى أن أحدهم التفت إلي قائلاً بإعجاب شديد: “هذا هو يومي الثالث على التوالي في المتحف، ولا زلت أشعر أنني لم أرَ كل شيء بعد”.
بالنسبة لي، امتدت الزيارة لنحو أربع ساعات كاملة من التجول المستمر. وإن أعظم ما استوقفني في هذا الصرح هو العبقرية في تبويب المعروضات وتصنيفها تاريخياً وفنياً عبر الحقبات والحضارات المختلفة التي تعاقبت على أرض مصر. إن مصر بلد غارق في القدم، وتمتد جذورها الحضارية إلى أكثر من سبعة آلاف سنة. ورغم أننا لم نتمكن من رؤية كل تفاصيل الحقبات المبكرة جداً، إلا أن المعروضات المتاحة تختزل قمة التطور الإنساني؛ فالحضارة المصرية لم تأتِ من فراغ، بل كانت نتاجاً لتراكم الخبرات والتجارب التي مرت بها البلاد طوال تلك القرون الطويلة.
تجلت هذه الذروة الحضارية في جناح الملك الشاب توت عنخ آمون، الذي أذهلني بشكل خاص. فرغم أنه لم يعش طويلاً ومات في سن مبكرة، إلا أنه ترك وراءه إرثاً كنزياً متكاملاً يعرضه المتحف اليوم بأسلوب تفاعلي مذهل. وفي الجزء المختص بقناع توت عنخ آمون الذهبي المرصع بالمجوهرات والأحجار النادرة، وقفت متسائلاً بفضول العارف: كيف استطاع هذا الملك، أو بالأحرى هذا الشعب، أن ينجز كل هذه العظمة ويدير بلداً بهذا التعقيد في فترة زمنية قصيرة؟ الإجابة تكمن في أن شعب مصر القديم كان شعباً مليئاً بالجرأة، والذكاء، وحب الحياة. وعلى الرغم من توالي الحضارات المختلفة على مصر لاحقاً، إلا أنها كانت تدور دائماً في فلك التأثير الفرعوني؛ فلم تنجح أي ثقافة أو احتلال في طمس الهوية الفرعونية، بل تعايشت معها وظلت الروح المصرية القديمة هي الحاضرة والمتقدمة في المشهد دائماً.
ومن الأجنحة المتميزة التي استوقفتني كثيراً، الجناح المخصص للمراكب والسفن الجنائزية. وهناك تجلت أمامي حقيقة تاريخية ممتعة، وهي أن هذه المراكب صنعت بالكامل من خشب الأرز المستورد من جبال لبنان. هذا التفصيل الأثري يحمل دلالة عميقة على عمق التبادل التجاري والحضاري بين الفراعنة والفينيقيين منذ آلاف السنين؛ فلم تغزُ مصر لبنان عسكرياً، ولم يغزُ لبنان مصر، بل كان بينهما تعاون اقتصادي وثقافي راقٍ ومستدام.
في اليوم التالي، رتبت لزيارة الأهرامات، وكان يمر على آخر زيارة لي لها قرابة عشر سنوات. وكم كانت دهشتي كبيرة بالتحول الذي طرأ على المنطقة؛ إذ تجلت النظافة والنظام الواضح في كل أرجائها. عرفت حينها أن إدارة منطقة الأهرامات قد أُسندت هي الأخرى لشركة خاصة، ونجحت بلا شك في تحويلها إلى بيئة مريحة ومنظمة تليق بالسائحين. تم تنظيم حركة الباعة والمقايضين، واستحدثت ساحات مخصصة للجمال والخيول تنطلق منها جولات سياحية حول الأهرامات بأسلوب منسق وآمن يضمن متعة الزائر ويحافظ على هيبة المكان التاريخي.
لم يكن لزيارتي للقاهرة أن تكتمل دون المرور بأحيائها القديمة، فوجهتي التالية كانت حي “خان الخليلي” الشهير. في البداية، كان الهدف من الزيارة هو إلقاء التحية والسلام على صديق قديم لي يُدعى “حمدي الضبع”، وهو تاجر تحف معروف كنت قد اشتريت منه في السابق عدة قطع أثرية نادرة تعود لمقتنيات متحف الملك فاروق. تواصلت معه وعلمت أنه وسّع تجارته وانتقل إلى منطقة الزمالك الراقية، فذهبت لزيارته هناك، ولكن صراحةً، ظل حنيني الجارف يشدني إلى الأزقة الضيقة لخان الخليلي، فلم أقاوم رغبتي في العودة إلى هناك.
قادتني قدماي مباشرة إلى مقهى نجيب محفوظ الشهير في قلب الخان. جلست هناك وطلبت الشاي المعد على طريقته، وفي تلك اللحظات، شعرت بوجود “أديب نوبل” العظيم يطوف في المكان. عادت بي الذاكرة نحو ثلاثين سنة إلى الوراء، حين حظيت بشرف التعرف على الأستاذ نجيب محفوظ شخصياً في هذا المقهى. كان رجلاً دمث الخلق، متواضعاً ولطيفاً إلى أبعد الحدود. أتذكر حين أخبرته بأنني أزور القاهرة قادماً من مملكة البحرين، كيف اهتم بالأمر وأخذ يسألني بشغف كبير عن البحرين، وعن الحراك الثقافي والمثقفين هناك. وعندما هممت بالمغادرة، رفض بشدة أن أدع يد تجرؤ على دفع ثمن الشاي، وقال لي بابتسامته الأبوية الدافئة: “أنت ضيفي في مصر”. ومع كل هذا الحنين، شعرت ببعض الأسى؛ إذ وجدتها فرصة لألاحظ أن التجديد الأخير الذي طرأ على المقهى لم يكن موفقاً تماماً، فقد أزال المظهر الجديد جزءاً من العبق القديم والنفس الأثري الذي تركه محفوظ وراءه.
اختتمت رحلتي بنظرة شاملة على قاهرة اليوم؛ إذ شعرت بوضوح أن القيادة في مصر تبذل جهوداً هائلة لتحسين معالم العاصمة والارتقاء بمعيشة الناس. إن شبكة الكباري الجديدة، والشوارع الضخمة، والنهضة الشاملة في البنية التحتية جعلت من الحركة والتنقل تجربة مغايرة تماماً، وهي الأفضل والأكثر تطوراً مقارنة بكل الفترات السابقة التي عاصرتها منذ أيام عهد الرئيس جمال عبد الناصر. غادرت القاهرة وأنا أحمل في قلبي مزيجاً من الفخر بحاضرها المتجدد، والخشوع أمام تاريخها الإنساني الخالد.
