الإنسان قبل العقيدة

يشهد عالمنا المعاصر، ولا سيما منطقتنا العربية والشرق أوسطية، مخاضات عسيرة وصراعات دموية طال أمدها، وإذا أردنا تفكيك الجذور العميقة لهذه النزاعات لوجدنا أن الأزمة الحقيقية تكمن في تغليب العقائد الأيديولوجية المتطرفة على القيمة الأسمى التي خلقها الله تعالى وهي قيمة الإنسان، حيث إن واقع الأمر الذي لا يمكن القفز عليه هو أن الإنسان أتى إلى هذا الوجود قبل العقيدة، ومهما بلغت العقائد من عمق وتجذر فإن عمق الإنسانية وجوهرها يجب أن يرتقيا فوق كل اعتبار وفوق كل تصنيف مذهبي أو عرقي.

لقد أصبح من الواضح للعالم بأجمعه اليوم أن العقيدة الصهيونية التي زُرعت في عقول وأفكار الكثير من اليهود، ولا سيما البسطاء منهم، قد أصبحت خطراً حتى على المجتمع الإسرائيلي نفسه، إذ يقوم هذا الفكر على تصنيف مشوه يقسم البشر إلى فئتين، شعب يهودي مفضل يمتلك الحقوق والسيادة، والآخرين الذين يُنظر إليهم بموجب هذه العقيدة كأدوات مجردة لا قيمة إنسانية لها، وبسبب هذا الخلل البنيوي القائم على إلغاء الآخر لن تكون إسرائيل يوماً هادئة أو ساكنة مع نفسها لأن الظلم لا يصنع سلاماً مستداماً.
وما الحروب الأخيرة التي دارت رحاها بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وفصائلها من جهة أخرى، إلا دليل قاطع على هذا المأزق التاريخي، فهذه الحرب لم تفد إسرائيل في شيء، بل على العكس تماماً، فقد دمرت غزة وأجزاء واسعة من لبنان وعمّقت عزلة إسرائيل بعد أن أبعدت جيرانها عنها وزرعت في نفوسهم كراهية أشد وأعمق، ولعل هذه الأحداث القاسية تقنع المتشددين في إسرائيل بأن العقائد الخاطئة والعمياء تحرم أصحابها من لذة الحياة والتقدم والازدهار، وتحولهم إلى كائنات عدائية متوحشة متعطشة للدماء دون أفق حقيقي للأمان.
وعلى الجانب الآخر من المشهد الإقليمي، يتجلى التمييز العقدي في أبهى صوره السلبية من خلال أيديولوجيا ولاية الفقيه في إيران، وهنا يبرز تناقض صارخ بين الشعوب وسلطاتها، وأعتقد أن الكثير من الشيعة في إيران يميلون بفطرتهم السليمة إلى تحييد العقيدة المتزمتة واضعين علاقتهم بالله سبحانه وتعالى في إطارها المباشر والروحي الصحيح، ويسعون فقط لحياة كريمة هانئة، لهم ولأطفالهم.
ومن هنا، نتوجه بالدعاء إلى الله سبحانه وتعالى أن يهدي المتشددين في إيران، من الحرس الثوري وصُنّاع الفكر العقدي المتزمت، ليروا بوضوح أن تساهلهم وتفهمهم الأعمق لإنسانيتهم سيفيدهم ويفيد مجتمعهم أكثر بكثير من لغة السلاح والإقصاء، وتصوروا لو أن إيران تنوي لجيرانها العرب ومن اختلف معها في المذهب الخير والسلام، لكان الخير والازدهار قد عمّا المنطقة بأسرها، وليس غريباً ونحن في هذه المنطقة الجغرافية المترابطة أن يكون لدينا الكثير من الأصدقاء الأعزاء المحببين إلينا من الإيرانيين الذين لا يمكن تصور أنهم يفكرون بعقلية الدمار بل يتوقون مثلنا تماماً إلى الاستقرار والتنمية.
وفي ظل هذا المشهد، يصبح من العصي على العقل السليم فهم واستيعاب شعارات من قبيل “الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل”، إن العالم كله يدرك يقيناً أن هذه الشعارات الاستعراضية لا سبيل إلى تحقيقها على أرض الواقع، خاصة في هذا العصر الذي استحال فيه على أي شعب أن يلغي شعباً آخر مهما بلغت قوته، وحتى القوى العظمى كـأمريكا تعلمت من تجارب التاريخ القاسية أن هدف محو الأمم وإبادتها هو هدف غير منطقي وغير قابل للتطبيق حتى لو امتلكت الدول القنابل النووية والترسانات الفتاكة، فالإبادة وهم يؤدي للهلاك.
إننا بحاجة ماسة اليوم إلى إعادة صياغة المناهج الفكرية والتربوية في منطقتنا لترتكز على مفهوم “المواطنة الإنسانية العالمية”، تلك التي تعلي من شأن القانون، والعدالة الاجتماعية، وحرية المعتقد كحقوق أساسية غير قابلة للمساومة. إن الدولة المدنية الحديثة هي الحصن الأمان الوحيد الذي يحمي التنوع الثقافي والديني ويمنعه من التحول إلى وقود للاقتتال الأهلي، فالقوانين العادلة والمؤسسات المستقلة هي الكفيلة بضمان كرامة الفرد، بغض النظر عن انتمائه المذهبي أو الفكري. عندما يشعر المواطن بأن إنسانيته وحقوقه مصونة بقوة القانون، تتبدد تلقائياً نزعات التشدد والتمترس خلف الهويات الفرعية الضيقة، وتتحول الطاقات البشرية من التدمير والصدام إلى البناء والعمران والمنافسة الإيجابية في شتى مجالات العلوم والفنون والاقتصاد.
إن الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة يقع على عاتق النخب الفكرية، وقادة الرأي، والمؤسسات الثقافية، الذين يقع على عاتقهم واجب أخلاقي وتاريخي لتفكيك الخطاب المتطرف وتعرية زيفه. لا يمكننا الوقوف مكتوفي الأيدي أمام سيل الكراهية الذي يتدفق عبر منصات التواصل ووسائل الإعلام الموجهة، بل يجب تقديم بديل فكري عقلاني ومضيء، يؤصل لثقافة الحوار العابر للثقافات ويؤمن بأن الاختلاف هو سنة كونية لإثراء الوجود وليس مبرراً لشن الحروب والنزاعات. إن هزيمة التطرف، سواء كان صهيونياً إقصائياً أو ثورياً متزمتاً، لن تتم عبر فوهات البنادق وحدها، بل بانتصار الفكر التنويري الحر الذي يعيد للاستقرار قيمته، وللحياة حرمتها، وللإنسان مكانته السامية كخليفة الله في الأرض ومحور هذا الكون.
إن الفطرة الإنسانية السوية لا تعرف التمييز على أساس الدين أو المذهب، وفي مسيرتي الشخصية لم أشعر يوماً بالحاجة إلى تهميش شخص آخر أو عدم الاكتراث به لأسباب عقائدية، بل إن الميزان الحقيقي والأوحد الذي أزن به علاقاتي مع الناس يتلخص في حسن المعاملة التي تنطلق من احترام الكرامة البشرية، وفي المصالح والمنفعة المشتركة التي تبني جسور التعاون البنّاء بين المجتمعات، وفي التفاعل الإيجابي المتبادل الذي يثري الحياة ويحقق غاية عمارة الأرض بالخير والسلام والوئام.
إن خلاص هذه المنطقة، وخلاص البشرية جمعاء، لن يتحقق بنصر عسكري لعقيدة إقصائية على أخرى، بل بالعودة إلى المربع الأول وهو أن الإنسان أولاً، وعلى المتشددين في كل الجبهات، سواء في إسرائيل أو إيران أو أي مكان في العالم، أن يدركوا أن العقيدة وُجدت لخدمة الإنسان والارتقاء بروحه وليس لجعله وقوداً لحروب عبثية، لقد حان الوقت لتغليب صوت العقل والإنسانية لكي تنعم شعوبنا بالحياة التي تستحقها بعيداً عن أوهام التميز الفئوي وشعارات الموت الفانية التي لم تجلب للمنطقة سوى الخراب والتراجع والدمار.

 

بواسطة akmiknas

أضف تعليق