لماذا نتحارب؟

كم حربًا تحتاج المنطقة لتدرك أن إضعاف الجار لا يعني حماية الوطن، وأن الانتصار العسكري لا يضمن مستقبلًا آمنًا لشعب، مهما امتلك من القوة والسلاح؟ بعد سنوات من الصراعات، باتت كلفة المواجهة تتجاوز حدود الدول المتحاربة، لتطال الاقتصاد والأمن وحياة ملايين البشر، فيما تبقى الأسئلة الأساسية معلقة حول مستقبل المنطقة وقدرتها على الخروج من دائرة العنف.

إن المشكلة ليست في اختلاف الدول والشعوب، فالتباين في المصالح والمواقف والمعتقدات جزء من طبيعة العلاقات الإنسانية والسياسية، إنما المشكلة في تحويل هذا الاختلاف إلى خصومة دائمة، والتعامل مع كل طرف آخر باعتباره تهديدًا ينبغي إخضاعه أو إقصاؤه. وهنا تحديدًا تكمن الحاجة إلى مراجعة مفهوم الأمن نفسه. فالأمن لا يتحقق بإضعاف الآخرين إلى ما لا نهاية، ولا بإقامة توازنات قائمة على الخوف، بل ببناء علاقات تسمح للدول بحماية مصالحها من دون أن تجعل الحرب خيارها المتكرر.

لقد أثبتت التجارب أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لها حدود، فالجيوش تستطيع تدمير المنشآت وإلحاق الخسائر بالخصوم، لكنها لا تستطيع بالقصف وحده إنهاء هوية شعب أو محو عقيدة أو انتزاع قناعة راسخة من وجدان مجتمع. وقد تنتهي مواجهة عسكرية، لكن أسباب العداء تظل قائمة، فتتحول الخسائر إلى ذاكرة تغذي جولة جديدة من الصراع. أما معالجة جذور النزاع، فتحتاج إلى فهم متبادل وحوار سياسي وتسويات تعترف بحقوق الأطراف المعنية ومصالحها.

ولا يعني ذلك أن تتخلى الدول عن حقها في الدفاع عن نفسها، أو أن تتجاهل المخاطر التي تواجهها، فالدفاع عن السيادة وحماية المواطنين مسؤولية أساسية لكل دولة، لكن الفارق كبير بين امتلاك القدرة على الردع وبين الاعتقاد بأن القوة وحدها تستطيع ضمان الأمن. الأول قد يمنع الاعتداء، أما الثاني فقد يدفع إلى سباق لا تنتهي تكاليفه، ويترك الجميع في حالة استنفار دائم.

ومن هذا المنطلق، ينبغي النظر إلى العلاقات العربية الإيرانية بوصفها قضية تتجاوز الخلافات السياسية والمذهبية، فإيران دولة مجاورة لدول الخليج، وتربطها بالمنطقة روابط جغرافية وتاريخية ومصالح اقتصادية لا يمكن تجاهلها. كما أن للدول العربية حقًا أصيلًا في حماية سيادتها وأمنها ورفض التدخل في شؤونها الداخلية. ولا تعارض بين الأمرين؛ إذ يمكن الاعتراف بحق إيران في الأمن والاستقرار، مع مطالبتها باحترام أمن جيرانها والتعامل معهم على أساس المساواة وعدم التدخل.

والمطلوب من طهران، كما من سائر عواصم المنطقة، أن تدرك أن التعاون ليس تنازلًا عن المصالح الوطنية، بل وسيلة لحمايتها. فاستمرار التوتر يستنزف الموارد، ويزيد المخاطر على السكان والاقتصادات، ويضيق مساحة الحلول السياسية. وكلما ارتفعت كلفة المواجهة، ازدادت الحاجة إلى مسار جاد يعيد ترتيب العلاقات على أساس المصالح المشتركة، لا الحسابات التي تفترض أن مكسب طرف لا يتحقق إلا بخسارة الطرف الآخر.

وفي هذا الإطار، يمكن لأي مبادرة إقليمية، ومنها ما يُطرح تحت مسمى حلف مكة، أن تكون مدخلًا للحوار والتنسيق إذا استندت إلى أهداف واضحة، وقامت على المشاركة الجادة والاحترام المتبادل والالتزام العملي. ولا يكفي أن تنضم الدول إلى الأطر السياسية أو الأمنية؛ بل ينبغي أن تتوافر إرادة حقيقية لمعالجة الخلافات، وتقديم ضمانات متبادلة، والاتفاق على قواعد تمنع التصعيد وتتيح تسوية النزاعات بالوسائل الدبلوماسية. كما أن نجاح أي مبادرة يتطلب ألا تتحول إلى أداة لعزل طرف أو مواجهته، بل إلى مساحة لبناء تفاهم إقليمي أوسع.

إن ما يجمع شعوب المنطقة أعمق من خلافاتها السياسية والمذهبية. فالجغرافيا واحدة، والتحديات الاقتصادية متشابكة، وأمن الملاحة والطاقة والتجارة لا يتوقف عند الحدود الوطنية. كما أن الروابط الدينية والثقافية بين قطاعات واسعة من هذه الشعوب يمكن أن تسهم في تعزيز التقارب، إذا ابتعدت عن التعصب ومحاولات فرض الرأي. فالدين الذي يؤمن به الإنسان لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للعداء، ولا أن يصبح الاختلاف المذهبي ذريعة لإدامة الصراع.

ويحمل قوله تعالى «لكم دينكم ولي دين» دلالة على التمايز في الاعتقاد، من دون أن يجعل الاختلاف سببًا لإلغاء الآخر. وينبغي أن يمتد هذا الفهم إلى التعامل مع مختلف المجتمعات، سواء أكانت مسلمة أم مسيحية أم يهودية أم هندوسية أم غير ذلك. فلا شعب يمتلك حقًا فطريًا في التفوق على سواه، ولا يجوز أن تصبح الهوية الدينية أو القومية أساسًا لحرمان الناس من الأمن والكرامة والحقوق. إن احترام التنوع لا يتطلب التخلي عن المعتقدات، بل الاعتراف بحق الآخرين في معتقداتهم ووجودهم.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أثر السياسات الدولية في استمرار أزمات المنطقة؛ فالدعم الأمريكي والغربي لإسرائيل، ولا سيما الدعم العسكري والسياسي، يثير تساؤلات جدية بشأن اتساق هذه السياسات مع الدعوات إلى حماية المدنيين واحترام القانون الدولي. كما أن استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يظل عاملًا رئيسيًا في توتر العلاقات الإقليمية وتراجع فرص التسوية. لكن التعامل مع هذه القضية لا ينبغي أن يقود إلى تعميم العداء على الشعوب أو إغلاق أبواب الحوار مع الدول الغربية، بل إلى موقف سياسي واضح يستند إلى الحقوق والقانون والمصالح المتبادلة.

فأوروبا، شأنها شأن دول المنطقة، لها مصلحة في الاستقرار. والحروب تؤثر في التجارة وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد والاستثمار، وتفرض أعباء على الاقتصادات والمجتمعات. ولذلك، فإن خفض التوتر في الشرق الأوسط ليس مطلبًا إقليميًا فحسب، بل مصلحة تتقاطع عندها مصالح عربية وأوروبية ودولية. ويمكن لهذا التقاطع أن يشكل أساسًا لتعاون يحد من التصعيد ويدعم الحلول السياسية، إذا اقترن بمواقف عملية تعالج أسباب النزاعات بدل الاكتفاء بإدارة نتائجها.

وقد يرى البعض أن الدعوة إلى التفاهم لا تراعي طبيعة التهديدات القائمة، وأن بعض النزاعات لا يمكن احتواؤها من دون قوة رادعة. وهذه حجة تستحق النظر؛ فالحوار لا ينجح بمجرد إعلانه، والثقة لا تُبنى من طرف واحد. لكن الردع لا يلغي الحاجة إلى التفاوض، كما أن الاستعداد للدفاع لا يستلزم رفض التسوية. بل إن الجمع بين حماية السيادة وفتح قنوات الحوار هو ما يمنح الحلول السياسية فرصة للاستمرار، ويحول دون بقاء المنطقة رهينة حسابات التصعيد المتبادل.

إن الحماية ليست مسؤولية الخارج وحده، ولا يمكن لأي دولة أن تبني أمنها على انتظار تدخل قوة دولية كلما تعرضت للخطر. فالشراكات الخارجية قد تساعد في مواجهة التهديدات، لكنها لا تعوض التفاهم بين الجيران، ولا تحل محل بناء الثقة الإقليمية. والأولى أن تمتلك دول المنطقة إرادة مشتركة لمنع الحرب، وأن تجعل التعاون جزءًا من استراتيجياتها الأمنية والاقتصادية، مع إدراك أن النتائج لا تتحقق بالنوايا وحدها، بل بالاتفاقات والالتزامات وآليات التنفيذ.

وبعد كل هذه الحروب، لم يعد السؤال من يستطيع إلحاق أكبر قدر من الخسائر بخصمه، بل من يستطيع حماية شعبه من حرب جديدة، ومنح الأجيال المقبلة فرصة للعيش في أمن وازدهار. فالتصالح مع الخصوم لا يعني نسيان الخلافات أو التنازل عن الحقوق، وإنما البحث عن صيغة تمنع تلك الخلافات من تدمير المستقبل.

إن مصير شعوب المنطقة مترابط، وأمن إحداها لا ينفصل عن أمن جيرانها. وما لم تدرك دولها هذه الحقيقة، ستظل الموارد تُستنزف في المواجهات بدل توظيفها في التنمية، وستظل الشعوب تدفع ثمن قرارات لا تملك دائمًا القدرة على تغييرها. أما الطريق إلى مستقبل مختلف، فيبدأ بإرادة سياسية تضع الحوار قبل الحرب، والتعاون قبل العزلة، وحياة الإنسان قبل حسابات الغلبة. فالسلاح قد يفرض واقعًا مؤقتًا، لكنه لا يصنع وحده سلامًا دائمًا.

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا