ليست المملكة العربية السعودية مجرد دولة في جغرافيا الخليج العربي، بل هي قلب نابض في جسد الأمة العربية والإسلامية، وركيزة أساسية في استقرار المنطقة، وبلد يحمل مكانة استثنائية في وجدان كل عربي ومسلم. فالسعودية تعني الكثير لأبناء الخليج، وتمثل عمقًا استراتيجيًا وحضاريًا واقتصاديًا للعالم العربي والإسلامي، كما أن استقرارها وأمنها ليسا شأنًا محليًا فحسب، بل مسألة تتجاوز حدودها إلى مستقبل المنطقة بأكملها.
إن ما تشهده المنطقة من تطورات واعتداءات تستهدف أمن المملكة واستقرارها يضعنا أمام حقيقة مهمة، وهي أن أمن السعودية مسؤولية تتجاوز حدودها الجغرافية، وأن المساس بها ينعكس على أمن الخليج والمنطقة والعالم. ومن هنا، فإن التضامن الذي تبديه الدول الشقيقة والصديقة مع المملكة يحمل رسالة واضحة بأن أمنها واستقرارها يحظيان بأهمية كبيرة، وأن الحفاظ عليهما ضرورة إقليمية ودولية لا تحتمل التهاون.
وقد أظهرت المواقف الإقليمية والدولية، بما فيها المساندة التي عبّرت عنها دول عربية وإسلامية، أهمية التنسيق والتعاون في مواجهة التهديدات التي تستهدف أمن المنطقة. كما أن التقارب والتشاور بين السعودية ودول مثل باكستان وتركيا، إلى جانب المواقف الداعمة التي تصدر عن مصر وغيرها من الدول العربية، يعكسان إدراكًا متزايدًا لضرورة حماية الاستقرار وتعزيز العمل المشترك. إنها مؤشرات على أن أمن المملكة ليس قضية يمكن التعامل معها بمعزل عن محيطها، بل مسؤولية ترتبط بأمن دول الخليج ومصالح الشعوب العربية والإسلامية.
إن الرسالة الأهم من هذه المواقف هي أن الاعتداء على المنشآت والمدن والبنية التحتية لا يهدد حياة المواطنين والمقيمين فحسب، بل يهدد أيضًا مسيرة التنمية والاستثمار والازدهار التي تحتاج إليها المنطقة بأسرها. فالمملكة ليست مجرد قوة اقتصادية كبرى، بل شريك أساسي في بناء مستقبل الخليج، ومصدر مهم للفرص الاستثمارية والمشروعات التنموية التي تتجاوز آثارها حدودها إلى مختلف دول المنطقة.
ومن المؤسف أن يعتقد البعض أن إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة قادر على تحقيق أهداف سياسية أو فرض وقائع جديدة. فمن السهل أن تُطلق صواريخ لتستهدف مدينة أو منشأة، لكن من الصعب بناء منزل واحد، أو تأسيس مشروع اقتصادي، أو خلق فرصة عمل، أو توفير مستقبل آمن للأجيال القادمة. هذه هي المفارقة التي ينبغي أن يدركها كل من يراهن على التصعيد: الهدم قد يحدث في لحظات، أما البناء فيحتاج إلى سنوات من العمل والتخطيط والاستثمار، وإلى عقول تؤمن بالحياة بدلًا من الدمار.
والمملكة العربية السعودية، بما حققته من تطور اقتصادي وعمراني، وبما تمتلكه من ثقل إقليمي ودولي، تمثل نموذجًا لما يمكن أن تحققه الدول عندما توجه جهودها نحو التنمية وصناعة المستقبل. ولذلك، فإن استهدافها لا يعني استهداف دولة فحسب، بل يعني تهديد مسيرة تنموية ذات آثار واسعة على اقتصادات الخليج والمنطقة، وعلى فرص التعاون والاستثمار التي تتطلع إليها شعوبنا. فكل مشروع يتعطل، وكل استثمار يتعرض للخطر، وكل تهديد للأمن والاستقرار، إنما ينعكس على فرص العمل ومستوى المعيشة وثقة المستثمرين بمستقبل المنطقة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية المواقف الدولية الداعية إلى احترام سيادة الدول وصون أمنها. كما أن الحوار الذي تشهده المنطقة مع القوى الدولية، بما فيها روسيا، يؤكد ضرورة إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، والعمل على خفض التصعيد، والبحث عن حلول سياسية تضمن الأمن والاستقرار لجميع دول المنطقة. فالعالم اليوم يدرك أن استمرار التوتر في منطقة الخليج لا يقتصر تأثيره على دولها، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والتجارة الدولية.
ومن المضحك المبكي إعلان إيران استعدادها للقيام بدور الوساطة، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى خطوات عملية تعالج أسباب التوتر، لا إلى وساطات شكلية تكتفي بإدارة الأزمة من دون إنهائها. فإذا كانت هناك رغبة حقيقية في التهدئة، فإن الطريق يبدأ باحترام سيادة الدول، ووقف الاعتداءات، وعدم التدخل في شؤون الآخرين، والعمل الجاد على منع استخدام الأراضي أو الجماعات المسلحة لتهديد أمن الجيران. فالوساطة الحقيقية لا تكون مجرد إعلان سياسي، وإنما مسؤولية تقتضي مواقف واضحة وإجراءات ملموسة تسهم في حماية الأمن وبناء الثقة.
ولا يمكن في هذا السياق تجاهل التناقض المؤلم بين القيم التي يدعو إليها الإسلام وبين أي أعمال تستهدف المدنيين أو الأماكن المقدسة أو تهدد أمن الحرمين الشريفين. فحرمة مكة المكرمة والمدينة المنورة ومكانتهما في قلوب المسلمين فوق أي حسابات سياسية، ومن واجب الجميع صونهما واحترام قدسيتهما. كما أن الانتماء إلى الإسلام لا يُقاس بالشعارات، بل باحترام حياة الإنسان، والالتزام بمبادئ الدين التي تدعو إلى السلام والعدل وصون الدماء. ومن هنا، فإن حماية المقدسات وأمن المسلمين مسؤولية أخلاقية ودينية لا يجوز إخضاعها لحسابات الصراع والمصالح السياسية.
إننا اليوم أمام اختبار حقيقي لقدرة دول المنطقة على تجاوز الخلافات، وتغليب المصالح المشتركة، وإدراك أن مستقبل شعوبنا لا يمكن أن يُبنى على الصراعات المستمرة. فالتاريخ والجغرافيا والمصالح الاقتصادية والاجتماعية تربط دول الخليج والعالم العربي والإسلامي بروابط عميقة، تجعل التعاون والتفاهم ضرورة لا خيارًا ثانويًا. وما تحتاج إليه شعوبنا اليوم هو توجيه الموارد والطاقات إلى التعليم والابتكار والصناعة والتكنولوجيا، وإلى المشروعات التي تفتح أبواب المستقبل أمام الشباب، بدلًا من استنزافها في النزاعات التي لا تجلب سوى الخسائر.
ونأمل أن تكون هذه المرحلة، بكل ما تحمله من قلق وتحديات، غيمة عابرة تنقشع قريبًا، لنخرج منها إلى شط الأمان، أكثر وعيًا بأهمية التضامن، وأكثر تمسكًا بقيم الأخوة، وأكثر إصرارًا على حماية مكتسباتنا التنموية. فالأزمات، مهما اشتدت، ينبغي أن تكون دافعًا لمراجعة المواقف وتعزيز التعاون، لا سببًا لمزيد من الانقسام والتوتر.
إن وقوفنا مع السعودية هو موقف مع أمن الخليج واستقرار المنطقة، ومع حق الشعوب في العيش بسلام، ومع مستقبل تُوجَّه فيه الإمكانات إلى البناء بدلًا من الهدم. وستظل المملكة، بمكانتها في قلوب العرب والمسلمين، جزءًا أصيلًا من حاضر المنطقة ومستقبلها. فالسعودية ليست وحدها في مواجهة التحديات، لأن ما يجمعها بأشقائها أكبر من أن تفرقه الأزمات، ولأن أمنها واستقرارها يمثلان مصلحة مشتركة لكل من يؤمن بمستقبل عربي وإسلامي أكثر أمنًا وازدهارًا.
حفظ الله السعودية، وحفظ دول الخليج والعالم العربي والإسلامي، وأدام على شعوبنا نعمة الأمن والاستقرار، وجعل ما نمر به سحابة صيف تعبر، لنواصل جميعًا طريق التنمية والازدهار، ونبني لأجيالنا القادمة مستقبلًا يسوده السلام والتعاون والرخاء.
