حوار واستثمار

في ظل الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية الاستثنائية التي تمر بها المنطقة، تكتسب استضافة مملكة البحرين لفعاليتين دوليتين بارزتين، هما “حوار المنامة” و”منتدى بوابة الخليج للاستثمار 2026″، أهمية تتجاوز مجرد تنظيم مؤتمرات دولية أو استضافة شخصيات ومسؤولين من مختلف دول العالم. فالتوقيت يحمل رسالة واضحة، والمضمون يعكس توجهاً استراتيجياً يؤكد أن البحرين اختارت المضي قدماً في تعزيز الحوار والتعاون الاقتصادي، بدلاً من الاستسلام لمخاوف الأوضاع الإقليمية أو السماح للتحديات بأن تعطل مسيرة التنمية..

لقد شعرت، من خلال حضوري ومتابعتي لهاتين الفعاليتين، أن البحرين أرادت أن تؤكد موقفاً مهماً: المنطقة لا تحتاج إلى مزيد من الصراعات، بل إلى مساحات أوسع للحوار والتفاهم، كما أنها لا تحتاج إلى تعطيل الاستثمار والمشروعات، بل إلى مزيد من المبادرات الاقتصادية التي تخلق فرص العمل وتدعم الاستقرار والازدهار. وهنا تبرز أهمية الجمع بين حدثين يحمل كل منهما رسالة مختلفة، لكنهما يلتقيان عند هدف واحد، وهو تعزيز استقرار المنطقة ومستقبلها.

يمثل حوار المنامة، الذي ينظمه المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية  (IISS)، أحد أبرز المنصات الدولية المعنية بقضايا الأمن والسياسة الخارجية والدفاع، وقد جاءت نسخته الثانية والعشرون هذا العام في توقيت بالغ الحساسية، مع تصاعد التوترات الإقليمية والدولية، وتزايد المخاوف بشأن مستقبل الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.

وقد جمع الحوار وزراء خارجية ومسؤولين أمنيين وعسكريين وصناع قرار وخبراء من مختلف أنحاء العالم، لمناقشة التحولات الجيوسياسية ومستقبل الأمن الإقليمي والتحديات التي تواجه المنطقة، بما في ذلك أمن الممرات البحرية وحرية الملاحة والتعاون الدولي. وكان من اللافت أن النقاشات لم تقتصر على الجوانب العسكرية والأمنية، بل امتدت إلى العلاقة بين الأمن والتنمية، وأهمية إعادة بناء الثقة بين الدول وتعزيز التعاون في مواجهة التحديات المشتركة.

وأعتقد أن القيمة الحقيقية لحوار المنامة تكمن في أنه يوفر مساحة تلتقي فيها وجهات النظر المختلفة، حتى في ظل وجود خلافات سياسية عميقة. فالمنطقة التي تواجه هذا الحجم من التحديات لا يمكنها أن تستغني عن الحوار، ولا يمكن أن يكون خيار الحرب والصراع هو الإجابة الدائمة عن أزماتها. إن وجود هذا العدد من المسؤولين وصناع القرار في البحرين يعزز مكانة المملكة باعتبارها مركزاً إقليمياً للدبلوماسية والحوار.

وإذا كان حوار المنامة قد ركز على أمن المنطقة واستقرارها، فإن منتدى بوابة الخليج للاستثمار 2026 جاء ليؤكد الوجه الآخر للمعادلة، وهو أن الاستقرار لا يكتمل من دون اقتصاد قوي وتنمية مستدامة واستثمارات تخلق فرصاً حقيقية للمستقبل. وقد حضرت حفل افتتاح المنتدى في نسخته الرابعة، والذي أقيم بحضور صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، وشهد مشاركة واسعة من كبار المسؤولين والوزراء والمستثمرين وممثلي الشركات والمؤسسات الاقتصادية من مختلف دول العالم.

ومن المشاهد التي لفتت انتباهي خلال حفل الافتتاح الجولة التي قام بها سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء على المشروعات المشاركة في المعرض المصاحب. فقد كان سموه يتوقف أمام المشروعات، ويستفسر من ممثلي الشركات والمسؤولين عن طبيعة كل مشروع وقيمته الاستثمارية، ويتعرف على تفاصيله ومجالات عمله. وقد عكست هذه الجولة اهتماماً مباشراً بالمشروعات الاستثمارية، باعتبارها فرصاً اقتصادية ينبغي التعرف على تفاصيلها ومتابعة أثرها على الاقتصاد الوطني.

كما حملت هذه الجولة رسالة مهمة للمستثمرين بأن القيادة تتابع ما يقدمونه من مبادرات، وتولي اهتماماً حقيقياً باستقطاب الاستثمارات النوعية. ومن أبرز ما استوقفني أيضاً الكلمة التي ألقاها معالي الشيخ سلمان بن خليفة آل خليفة، وزير المالية والاقتصاد الوطني. لقد كانت كلمة مهمة في مضمونها وأرقامها وطريقة عرضها، وعكست فهماً واضحاً للتحولات الاقتصادية التي تشهدها المنطقة، وللمقومات التي تجعل دول الخليج قادرة على مواصلة النمو رغم التحديات.

فقد أشار الوزير إلى أن اقتصاد دول الخليج بلغ نحو 2.4 تريليون دولار، وأن القطاعات غير النفطية أصبحت تمثل أكثر من 86% من الناتج المحلي الإجمالي لمملكة البحرين، وأكثر من 77% على مستوى دول الخليج، فيما تتجاوز أصول البنوك الخليجية 4 تريليونات دولار، وتدير صناديق الثروة السيادية الخليجية استثمارات تزيد على 5 تريليونات دولار. كما أعلن أن المنتدى سيشهد أكثر من 110 إعلانات تتجاوز قيمتها 20 مليار دولار، تشمل شراكات واستثمارات ومشروعات جديدة وفرص عمل.

هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات مالية، بل تعكس حجم التحول الاقتصادي الذي تشهده المنطقة، وقدرتها على بناء قطاعات إنتاجية متنوعة، وتقليل الاعتماد على النفط، وتعزيز حضورها في الاقتصاد العالمي. وشعرت، خلال حضوري جلسات المنتدى ومتابعة النقاشات، بأن المشاركين لم يأتوا لمجرد الحضور أو الاستماع إلى الكلمات الرسمية، بل إن كثيراً منهم قدموا أفكاراً ومقترحات وتفاعلات إيجابية، وأظهروا رغبة حقيقية في استكشاف الفرص وبناء الشراكات.

وهذا ما يمنح مثل هذه المنتديات قيمتها الفعلية، عندما تتحول من منصات للنقاش إلى مساحات لصناعة الفرص والاتفاقات. كما أن الإعلان عن منح الرخصة الذهبية لأربعة مشروعات جديدة بقيمة استثمارية إجمالية بلغت 3.89 مليار دولار، يعكس أهمية المنتدى في تحويل الاهتمام الدولي بالبحرين إلى استثمارات ومشروعات ملموسة في قطاعات الطيران والسياحة والتطوير العمراني والخدمات.

إن ما يجمع بين حوار المنامة ومنتدى بوابة الخليج هو الرسالة التي أرادت البحرين إيصالها إلى العالم من خلال استضافتهما في هذا التوقيت تحديداً. فالمنطقة بحاجة إلى الحوار لا الحروب، وإلى التعاون لا التصعيد، وإلى بناء جسور الثقة بدلاً من توسيع دوائر الخلاف. وهي في الوقت نفسه بحاجة إلى اقتصاد قوي، واستثمارات جديدة، ومشروعات تنموية، وفرص عمل، وبيئة أعمال قادرة على جذب رؤوس الأموال.

وأود هنا أن أتقدم بالشكر والتقدير إلى مجلس التنمية الاقتصادية، وإلى سعادة السيدة نور بنت علي الخليف، وزيرة التنمية المستدامة والرئيسة التنفيذية للمجلس، وجميع فرق العمل والجهات المعنية، على التنظيم الناجح لمنتدى بوابة الخليج، وما عكسه من مستوى احترافي في استقطاب المستثمرين والمسؤولين وصناع القرار. كما يستحق نجاح حوار المنامة الإشادة والتقدير، لما يمثله من حضور دولي متواصل، وللدور الذي تقوم به مملكة البحرين في توفير منصة جادة لمناقشة قضايا الأمن والاستقرار.

وفي تقديري، فإن تنظيم هاتين الفعاليتين في هذه الظروف ليس مجرد قرار تنظيمي أو استحقاق سنوي، بل هو تعبير عن ثقة البحرين بنفسها وبقدرتها على مواصلة دورها الإقليمي والدولي، وعدم الرضوخ لمخاوف الأوضاع السائدة أو السماح لها بتعطيل مسيرة التنمية. لقد أثبتت البحرين أن مواجهة التحديات لا تكون بالانتظار، وإنما بالمبادرة والعمل والانفتاح على العالم.

المنطقة تحتاج إلى حوار المنامة حتى لا تنزلق إلى مزيد من الحروب، وتحتاج إلى منتدى بوابة الخليج حتى لا تتوقف عجلة الاقتصاد والتنمية. وهذه، في اعتقادي، هي الرسالة الأهم التي خرجت بها من هذين الحدثين: البحرين تختار الحوار والاستثمار، وتؤمن بأن المستقبل يُبنى بالسلام والعمل والشراكة.

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا