يعج العالم اليوم بالصراعات الجيوسياسية والدعاوى التاريخية التي لا تنتهي؛ والكثير بات يستطيع رفع الشعارات الرنانة، والمطالبة بأراضٍ وحقوق يراها مشروعاً تاريخياً له، بغض النظر عن مدى واقعية تلك الادعاءات. نرى الولايات المتحدة تطالب أحياناً بضم جزيرة جرينلاند، ونشهد النزاع الأزلي والاتهامات المتبادلة بين اليونان وتركيا حول أحقية كل منهما في أراضي الآخر، وفي الوقت ذاته، تواصل إسرائيل ادعاءاتها التوسعية بما تسميه “إسرائيل الكبرى”. كل هذه القوى والأطراف تدرك في قرارة نفسها، قبل غيرها، أن تلك المطالب والخطابات مجرد أوهام غير واقعية، بل ومستحيلة التحقق على أرض الواقع المعاصر الذي تحكمه القوانين الدولية وموازين القوى وثبات الهويات الوطنية.
وسط هذا الصخب العالمي من الادعاءات الزائفة، تبرز مملكة البحرين كنموذج صارخ في ثبات الهوية وعمق التاريخ. إن البحرين عربية أباً عن جد، وهي حقيقة تاريخية وجغرافية لا تقبل القسمة أو التشكيك. وحتى لو استعرضنا شريط التاريخ ووجدنا أن هذه الجزيرة تعرضت لفترات من الاحتلال، كالغزو البرتغالي أو هيمنة قوى إقليمية ودولية أخرى في حقب متفاوتة، فإن تلك القوى كانت تحتل أرضاً عربية خالصة، وتسعى للسيطرة على شعب عربي متمسك بهويته وأرضه. لم يغير الاحتلال يوماً من جينات الأرض ولا من عروبة سكانها، بل ظلت البحرين عبر العصور منارة للعروبة، متمسكة بانتمائها الأصيل لمحيطها الخليجي والعربي.
إن أزمة الانتماء والهوى الخارجي ليست حكراً على منطقة دون أخرى؛ بل هي ظاهرة نراها في مجتمعات عربية متعددة. على سبيل المثال، نجد في لبنان بعض الفئات والمسيحيين الذين تأثروا بالثقافة الغربية إلى حد التماهي الكامل معها، حتى وصل الأمر ببعضهم للمطالبة بفرنسا واعتبار أنفسهم جزءاً من الثقافة الفرانكوفونية أو يحملون ولاءً عاطفياً لها على حساب محيطهم. وفي المقابل، هناك في عالمنا العربي من يعيشون “إيرانيي الهوى”، يربطون بوصلتهم السياسية والفكرية بأجندات عابرة للحدود. ورغم هذه التشظيات الثقافية والسياسية في بعض الأقطار، يبقى الإيمان راسخاً بأن عروبة هذه الدول، وفي مقدمتها لبنان، ستنتصر في النهاية؛ لأن أصالة الهوية العربية أقوى من أي استلاب فكري أو عاطفي مؤقت.
وبالعودة إلى الشأن البحريني، فإن المملكة تتميز عبر تاريخها الطويل بأنها كانت دائماً مركزاً حضارياً وتجارياً منفتحاً على العالم، وهو ما جعلها موطناً لأفراد وعائلات تعود أصولهم الإثنية والعرَقية إلى بقاع مختلفة من الأرض. هذا التنوع كان مصدراً للثراء الثقافي والاجتماعي طالما ظل تحت مظلة المواطنة الصالحة. ولكن، عندما يتعلق الأمر بكيان الدولة وسيادتها، فإن القاعدة الأساسية التي لا يمكن التنازل عنها هي أن من يعيش على أرض البحرين ولا يقبل بها كدولة عربية ذات سيادة، أو يجد في نفسه حرجاً من هذا الانتماء، فإن الأبواب مشرعة أمامه للسفر والعيش في أي بلد آخر يراه مناسباً له ولتطلعاته.
الوطن ليس فندقاً نغادره عندما لا تعجبنا خدماته، وليس ساحة لتعدد الولاءات السياسية؛ بل هو التزام مطلق بالهوية والسيادة. وإذا كان هناك من هم بين ظهراني المجتمع البحريني ممن تعود أصولهم القديمة إلى دول أخرى، ولم يكن ولاؤهم الأول والأخير للبحرين ولقيادتها وعروبتها، فإن الحل الأسرع والأجدى والأنقى لمستقبل الاستقرار هو أن يذهبوا إلى حيث يحبون، وإلى حيث تتجه قلوبهم وولاءاتهم. فالأوطان لا تُبنى بخلخلة الولاء، ولا يمكن لبلد أن ينهض وبينه من يقتات على خيره وعينه على عواصم أخرى.
وفي هذا السياق الوطني الشامخ، تأتي المبادرات الشعبية والوطنية كخطوة حاسمة لترسيخ هذه الثوابت؛ إن توقيع “وثائق الولاء” ليس مجرد حملة علاقات عامة عابرة، ولا استعراضاً أو بهرجة إعلامية تبحث عن الأضواء، بل هو فعل وطني واعي، وتجديد مخلص للعهد، وتأكيد مطلق على التمسك بتراب البحرين وعروبتها، والالتفاف حول قيادة جلالة الملك المعظم حامي هذه المسيرة. إن كل توقيع يُخط على تلك الوثائق هو بمثابة رسالة حاسمة وموجهة للجميع في الداخل والخارج: أن مملكة البحرين، بكل أطيافها ومكوناتها، تقف اليوم على قلب رجل واحد، ولا تقبل الاختراق أو المزايدة على ثوابتها.
أنا أؤمن أن بناء الأوطان وحمايتها لا يتحقق بالوقوف في المناطق الرمادية أو مسايرة الظروف، بل بالمواقف الصلبة التي تتجلى في الأوقات الحاسمة لتكشف بوضوح عن معادن الرجال وحقيقة الانتماء. وفي مسيرتنا الوطنية، يدرك كل بحريني مخلص أن الاستقرار والازدهار الذي نعيشه اليوم لم يكن هبة عابرة، بل هو ثمرة تلاحم تاريخي فريد بين الشعب وقيادته. ومن هنا، يصبح الوعي المجتمعي هو خط الدفاع الأول؛ وعيٌ يلفظ الأفكار الدخيلة، ويفرز بوضوح بين من يعمل مخلصاً لرفعة هذه الأرض، وبين من يترقب الفرص لبث بذور الفرقة والتشكيك. فالولاء ليس رداءً نرتديه في المحافل، بل هو عقيدة راسخة تترجمها الأفعال قبل الأقوال.
إن الأصوات الشاذة أو المحاولات اليائسة للتشكيك في هوية البحرين العربية لا يجب أن تثير الخوف أو القلق؛ فتاريخ المملكة أثبت قدرتها الصارمة على تجاوز كافة المنعطفات التاريخية الصعبة وظلت عصية على الابتلاع أو التذويب الفكري. ما يخيف حقاً، وما يجب الانتباه له والحذر منه دائماً وأبداً، هو المحاولات الخبيثة والدؤوبة لخلق البلبلة، وبث الفرقة، وشق الصف الواحد بين أبناء الشعب البحريني.
تسعى بعض الأجندات الخارجية، مستغلة أدواتها الإعلامية أو خلاياها الفكرية، إلى اللعب على أوتار الطائفية أو العرقية لزعزعة التلاحم المجتمعي. وهنا تكمن المسؤولية الوطنية الكبرى التي تقع على عاتق الدولة والمجتمع معاً؛ وهي ضرورة القضاء التام على كل محاولة لرسم خطوط فاصلة بين أبناء الوطن الواحد. يجب تحصين الجبهة الداخلية، والتأكيد على أن الهوية البحرينية الجامعة والعروبة الراسخة هما السد المنيع ضد أي اختراق خارجي. إن قوة البحرين كانت وستظل في وحدة شعبها وإيمانهم المطلق بأن أرضهم عربية، وولاءهم خالص، وأن كل شعار يرفع خارج هذا الإطار هو مجرد وهم ومستحيل لن يجد له مكاناً على أرض الواقع.
