لن نكون متفرجين

تُشير التفاعلات الراهنة في المشهد الجيوسياسي، والشد والجذب في المفاوضات المتقطعة بين الولايات المتحدة وإيران، إلى أن المنطقة تقف على أعتاب تحول تاريخي سيمتد أثره لعقدين من الزمن على أقل تقدير. إن ما يحدث اليوم ليس مجرد مناورات دبلوماسية عابرة، بل هو عملية إعادة رسم لخرائط النفوذ وتوازنات القوى، وصياغة واقع جديد لمنطقة الشرق الأوسط. وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبرز تساؤل جوهري ومصيري: أين يقع مقعدنا كخليجيين وعرب على طاولة هذه المفاوضات؟ وكيف نضمن ألا تُصاغ الأقدار بمعزل عن مصالحنا الوطنية؟

من الخطأ الفادح التعامل مع الصراع الأمريكي الإيراني كصراع بين قوتين بعيدتين؛ فالحرب -سواء كانت باردة عبر العقوبات والمفاوضات أو ساخنة عبر المناوشات العسكرية- تجري في عقر دارنا. نحن الأكثر تأثراً بالنتائج، والأكثر عرضة لارتدادات أي انفجار أو اتفاق. إن الابتعاد عن كواليس هذه المفاوضات أو الاكتفاء بدور المراقب هو مخاطرة بترك مستقبلنا يُصاغ بأيدي غيرنا، فالتاريخ القريب في العراق وليبيا يمثل دروساً قاسية لا يجوز تجاهلها.

لقد أثبتت التجارب أن التدخلات العسكرية الأمريكية والغربية، رغم تفوقها التكنولوجي الكاسح، غالباً ما تنجح في تدمير الأنظمة لكنها تفشل فشلاً ذريعاً في بناء الدول. ومن هنا، يبرز تخوف مشروع من تكرار سيناريو “الدول الفاشلة” الذي مزق نسيج المنطقة العربية؛ فالفوضى في إيران لن تظل حبيسة حدودها، بل ستنعكس سلباً وبشكل مباشر على استقرارنا الأمني وازدهارنا الاقتصادي والاجتماعي.

لا يختلف اثنان على أن الولايات المتحدة تمتلك أضخم وآلة عسكرية في التاريخ البشري، وهي قادرة على حسم أي مواجهة عسكرية وتدمير البنى التحتية لأي خصم في وقت قياسي. ولكن، وبالنظر إلى سجل الحروب الأمريكية في القرن الحادي والعشرين، نجد مفارقة عجيبة: أمريكا تربح الحروب عسكرياً بلا شك، لكنها تخسرها سياسياً بامتياز.

إن قوة مقعدنا اليوم لا تستند فقط إلى الموقف السياسي، بل تنبع من ثقلنا كمركز ثقل اقتصادي عالمي وشريان حيوي للتجارة الدولية. فالعالم الذي يتفاوض اليوم يدرك أن استقرار الممرات المائية وتدفقات الطاقة وسلاسل الإمداد التي نسيطر عليها هي “العملة الصعبة” في أي تسوية قادمة. ومن هنا، فإن استثمارنا الحقيقي يجب أن يوجه لتعزيز هذه القوة الناعمة والصلبة معاً، لنجعل من تجاوزنا في أي اتفاق استراتيجي تكلفة باهظة لا يقوى النظام الدولي على تحمل تبعاتها، فنحن لسنا مجرد جيران للجغرافيا، بل نحن محرك أساسي لاستقرار الاقتصاد العالمي.

إن السؤال الأساسي الذي يجب أن يشغل صانع القرار اليوم ليس “من سينتصر عسكرياً؟”؛ فالأكيد أن أمريكا لن تُهزم في الميدان. لكن السؤال الحقيقي والجوهري هو: ماذا ستترك خلفها في إيران؟ هل ستنتهي هذه الحرب باتفاق متوازن، أم بمحادثات تفضي لنتائج مؤقتة، أم بإذعان أحد الأطراف؟ وما هي طبيعة الفراغ الذي قد يخلفه أي تغيير غير مدروس؟ إن أي تسوية لا تأخذ في الاعتبار هواجس الجيران وأمنهم القومي سيعني ببساطة ترحيل الأزمة لا حلها، مما يضعنا أمام استنزاف طويل الأمد.

وسط هذه الأمواج المتلاطمة، تدير دول الخليج، ومملكة البحرين، الأزمة بحنكة سياسية لافتة ووعي استراتيجي عميق. هناك إدراك بأن القوة لا تكمن فقط في التسلح، بل في القدرة على إدارة الأزمات واستباق التحولات الكبرى. إن الإدارة الهادئة والمتزنة للأزمات الإقليمية أثبتت أن منطقتنا لم تعد مجرد ساحة لتصفية الحسابات الدولية، بل أصبحت فاعلاً يمتلك أدوات الضغط والتأثير والقدرة على المناورة. يجب أن يكون هدفنا الاستراتيجي هو الخروج من هذه الدوامة بوضعية أقوى مما كنا عليه قبلها، وهذا يتطلب “الاستثمار في نتائج الحرب” أو المفاوضات. الاستثمار هنا لا يعني الجانب المادي فحسب، بل يعني استثمار المخرجات السياسية لضمان أمن مستدام، وتحويل التهديدات الوجودية إلى فرص للشراكة الإقليمية المبنية على احترام السيادة والمصالح المشتركة والندية السياسية.

علاوة على ذلك، فإن المرحلة القادمة تتطلب منا صياغة خطاب عربي وخليجي موحد ينتقل من “رد الفعل” إلى “المبادرة”، ومن التبعية للاصطفافات الدولية إلى فرض رؤية “الحياد الإيجابي” الذي يحمي مصالحنا أولاً. إن التفاوض من موقع القوة والوحدة هو الضمانة الوحيدة لمنع تحول منطقتنا إلى “جوائز ترضية” في صفقات الكبار. فالمقعد الذي نطالب به ليس منحة من أحد، بل هو استحقاق تفرضه قدرتنا على بناء تحالفات استراتيجية مرنة تتعدد فيها الخيارات وتتوزع فيها المصالح، بما يخدم ديمومة التنمية والأمن القومي العربي.

إن المفاوضات الجارية حالياً ستقرر شكل الاقتصاد، ومسارات الطاقة، وحجم التدخلات الخارجية في شؤوننا للعقدين القادمين على الأقل. لذا، فإن وجودنا “على الطاولة” ليس ترفاً أو خياراً دبلوماسياً، بل هو ضرورة وجودية لحماية المكتسبات التنموية التي حققتها دولنا عبر عقود. يجب أن نرفض وبحزم أن نكون مجرد “ملف” يُناقش في الغرف المغلقة بين واشنطن وطهران، ونصر على أن نكون “طرفاً” أصيلاً يضع شروطه ويحمي حدوده ومصالحه.

السلام الذي لا نكون شركاء في صياغته هو سلام هش وقابل للانكسار في أي لحظة، والحرب التي لا نملك القدرة على احتواء آثارها هي استنزاف لمواردنا ومستقبل أجيالنا. لقد آن الأوان لتكريس مبدأ أن أمن الخليج هو مسؤولية أهله بالدرجة الأولى، وأن أي رسم لمستقبل المنطقة يجب أن يمر عبر عواصمنا الوطنية. نحن نعرف أرضنا، ونعرف جيراننا، ونعرف كيف نحول الأزمات إلى منصات للانطلاق نحو مستقبل أكثر استقراراً ومنعة، بعيداً عن تجارب الفوضى والدمار التي دفع ثمنها جيراننا في الماضي القريب. إن مقعدنا على الطاولة هو حقنا المشروع الذي تفرضه الجغرافيا والتاريخ والمسؤولية تجاه المستقبل.

بواسطة akmiknas

أضف تعليق