الانتصار والانكسار يأتيان من الداخل أولا

كانت أمي رحمها الله تقول لي: “النجاح والفشل يأتيان من الداخل Success and failure come from) the inside)”، كانت تقصد من داخل الإنسان نفسه، وأرى أن هذه المقولة تصلح أيضا على الدول، فنحن ننتصر أو نهزم من الداخل، منا نحن كشعب قبل أية عوامل خارجية أخرى.

هذا ما كنت أفكر به وأنا استمع إلى توجيهات جلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه، إلى سمو ولي العهد رئيس الوزراء حفظه الله، بشأن التعامل بحزم مع كل من يمس أمن الوطن واستقراره، انطلاقا من أهمية تحصين البيت الداخلي كركيزة أساسية لمواجهة الاعتداءات والتحديات.

ومن الطبيعي أيضا والمنطقي ألا يكون شريكنا في الوطن من خاننا في أشد اللحظات حرجا، فالولاء الكامل يجب أن يكون للوطن، وليس إلى أي شخص أو جهة خارجية. كلنا نعلم أن مصيبة الولاء لخارج الوطن قد تدمر بلدنا الحبيب الآمن، ليس فقط معنويا أو فكريا، إنما في هذه الأحوال أتى من يحاول تدميرها بالفعل، والضرر الحقيقي هو الذي يأتي من المواطن لأخيه المواطن، فالدين لا يأمرنا بأن نخون أوطاننا، وقد أسفرت الاعتداءات الإيرانية الآثمة عن استشهاد أبرياء من أشقائنا في الوطن، فكيف نبرر سفك دمائهم الطاهرة؟ وكلنا سنتعاون، وعلينا جميعا أن نخبر إن علمنا بشخص أو جهة تريد الضرر بنا وبالوطن، فكل الولاء لجلالة الملك المعظم.

إن حماية الأوطان لا تبنى فقط بالأسلحة والمعدات فقط، بل تبنى بـمفهوم الوحدة الفكرية التي تمنع أي اختراق لنسيجنا الواحد، فعندما نتحدث عن الدفاع، فنحن نتحدث عن جبهة داخلية صلبة، وعن مواطن يشعر أن أمن جاره هو أمنه الشخصي، كما أن التجارب علمتنا أن القوى الخارجية، مهما بلغت شراستها، لا تستطيع كسر إرادة شعب يلتف حول قيادته بصدق وإيمان.

إن هؤلاء الذين ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا أدوات في يد الخارج، قد خسروا قبل كل شيء هويتهم وانتماءهم، فكيف ينام من خان الأرض التي أطعمته والماء الذي أرواه؟ إن الشراكة في الوطن هي عقد مقدس أساسه الوفاء، ومن ينقض هذا العقد في وقت الشدة، لا مكان له بيننا في وقت الرخاء، فالوطن ليس فندقا نغادره حين تسوء الأحوال، بل هو العرض والشرف الذي لا يقبل التفاوض.

والتحديات الكبرى هي المختبر الحقيقي لمعادن الرجال ولصلابة الأنظمة، فالبحرين برهنت بمؤسساتها وكوادرها، أنها تمتلك جينات التفوق تحت الضغط، بالإضافة إلى الجاهزية التي أظهرناها في القطاعات الحيوية، من التقنية والمالية وصولا إلى الدفاع والأمن، هي رسالة واضحة لكل طامع مفادها أننا لسنا لقمة سائغة، بل نحن دولة قانون ومؤسسات، ودولة تعشق السلام لكنها لا تخشى المواجهة.

في الواقع هذا الاستعداد الذي رأيناه لم يكن وليد اللحظة، بل كان استثمارا طويلا في المواطن البحريني وفي بناء بنية تحتية رقمية واقتصادية صلبة تضمن استمرارية الحياة حتى في أصعب الظروف، فاليوم نحن نسير بخطوات واثقة لأننا نؤمن بأن الداخل نظيف وأن الغالبية العظمى من شعبنا تدرك أن مصيرنا مشترك.

أصبح من الواجب علينا اليوم أن ندرك أن حرب الوعي لا تقل أهمية عن حرب المدافع، فالمتربصون لا يستهدفون منشآتنا فحسب، بل يستهدفون عقول أبنائنا، محاولين زرع الشك والتفرقة والفتنة. لذا، فإن استقرارنا يبدأ من الأسرة، من المدرسة، ومن كل مجلس، حيث نغرس من الصغر أن مصلحة البحرين تعلو فوق كل مصلحة، وأن لا كرامة للمرء خارج حدود وطنه.

لقد خلفت التوترات الأخيرة الكثير من الأعباء، سواء كانت نفسية أو اقتصادية، تتطلب منا اليوم تكاتف الشجعان، فالحكومة الموقرة بتوجيهات جلالة الملك ومتابعة سمو ولي العهد رئيس الوزراء، وضعت المواطن في قلب كل قرار، والهدف هو امتصاص الصدمات وتحويل التحدي إلى قوة دفع جديدة، ولكن على المواطن أيضا دور أساسي وهو اليقظة. إن التستر على الخونة هو خيانة بحد ذاته، والسكوت عمن يريد الضرر بنا هو جريمة في حق الأجيال القادمة، حيث يتوجب علينا أن نكون عيونا راصدة وذلك من باب الحب العميق لهذا التراب الذي احتضننا وقدم لنا الكثير.

لقد أكدت لنا هذه الأيام الصعبة أن ميزان القوى الحقيقي لا يكمن في الموارد المادية وحدها، بل في عقيدة الانتماء، فالدول التي تنهار هي تلك التي يتآكل داخلها بالشكوك والولاءات المزدوجة، أما البحرين فقد بقيت صامدة بفضل صف الدفاع الواحد الذي لا يقبل الاختراق، فكل ما نمتلكه من إرادة صلبة ومن تلاحم بين القيادة والشعب هو الذي جعلنا نتجاوز أصعب الاختبارات، وهذه الروح الوطنية هي التي ستساعدنا في إعادة البناء وتجاوز كل التبعات المالية والنفسية التي خلفتها الظروف الراهنة.

ما حدث من اعتداءات غادرة هو جرس إنذار لكل من كان يعتقد أن السلام يؤخذ بالنيات الحسنة فقط، بل يؤخذ بالقوة والجاهزية. إن دماء الشهداء الذين سقطوا غدرا هي دين في أعناقنا جميعا، والوفاء لدمائهم يكون بالتمسك بالثوابت الوطنية ورفض أي صوت يحاول زرع التفرقة أو الترويج لأجندات غريبة عن قيمنا البحرينية العربية، فنحن في البحرين نتميز بتاريخ عريق من التعايش والمحبة.

إن الحزم الذي وجه به جلالة الملك المعظم في التعامل مع العابثين بالأمن، هو الضمانة الأكيدة لاستدامة التنمية؛ فلا اقتصاد يزدهر ولا بناء يستمر دون أرضية صلبة من الاستقرار، والمرحلة الراهنة لا تقبل المواقف الرمادية؛ فالمواطنة ليست مجرد هوية مدونة في الأوراق الرسمية، بل هي ممارسة أخلاقية تظهر جلياً في الأزمات. إن استهداف “البيت الداخلي” لا يتم دائماً عبر التخريب المادي، بل يتسلل أحياناً عبر الإشاعات وبث روح الهزيمة، وهنا يأتي دور المواطن الواعي الذي يعمل كحائط صد منيع أمام محاولات اختراق الجبهة النفسية للمجتمع. فكل فرد منا هو خفير على ثغر من ثغور الوطن، ومسؤوليتنا أن نكون سداً لا ينفذ منه إلا الصدق والولاء المطلق.

نحن اليوم أقوى مما مضى، وأكثر وعيا بمسؤوليتنا الوطنية، ونجدد عهد الولاء لجلالة الملك المعظم، مؤكدين أننا سنظل الدرع الحصين خلف قيادته الرشيدة، وستبقى البحرين مهد الكرام وأرض السلام، وستبقى البحرين، قيادةً وشعباً، نموذجاً في التلاحم، وسنورث الأجيال القادمة وطناً لم يبع نفسه يوماً، بل ظل شامخاً بكرامته، محصناً بوفاء أبنائه، ومستقراً تحت راية آل خليفة الكرام.

بواسطة akmiknas

أضف تعليق