في يوم واحد تقريبًا، حملت السياسة الأميركية تجاه سوريا وإيران رسالتين مختلفتين في المنطقة؛ إذ أغلقت واشنطن صفحة العقوبات على سوريا، وفي الوقت نفسه وسعت دائرة العقوبات على إيران. ففي 24 أغسطس 2026 رفعت الولايات المتحدة رسميًا تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب، في خطوة تعيد دمج دمشق بشكل كامل في الاقتصاد الدولي واستقطاب الاستثمار وإعادة بناء المؤسسات. وفي اليوم نفسه، أعلنت الخزانة الأميركية إجراءات جديدة ضد جهات مرتبطة بإيران، شملت قطاعات الطيران والأصول الرقمية والذهب والشحن والتكنولوجيا، مع تعليق بعض التراخيص المتعلقة بالتعاملات الإيرانية.
هذا المشهد يستحق قراءة أوسع من مجرد مقارنة بين دولتين تعرضتا للعقوبات، فالقضية تتعلق بمسارين مختلفين في الشرق الأوسط: مسار يسعى إلى الخروج من سنوات الحرب والعزلة والعودة إلى العلاقات الطبيعية مع المحيط، ومسار آخر يواصل الاستثمار في النفوذ والصراع بوصفهما أدوات للحفاظ على موقعه الإقليمي.
لقد عانت سوريا من الحرب والعقوبات والتدخلات الخارجية، لكنها تقف اليوم أمام خيار مختلف، إذ يمكنها أن تستخدم الانفتاح الدولي لبناء دولة قادرة على استعادة دورها الطبيعي، أو أن تعود إلى منطق المحاور والصراعات الذي عطّلها لسنوات. والاختيار هنا لن يكون خارجيًا فقط، بل سيعتمد على قدرة السوريين ومؤسسات الدولة على تحويل الفرصة إلى مشروع وطني طويل الأمد.
والمنطقة تحتاج إلى سوريا مستقرة وفاعلة داخل محيطها العربي، فوجود دولة قوية بمؤسساتها واقتصادها وعلاقاتها الطبيعية يمكن أن يخفف من الفراغات السياسية والأمنية التي استغلتها أطراف عدة خلال السنوات الماضية. كما يمكن لإعادة الإعمار أن تتحول إلى مساحة واسعة للتعاون العربي، تشمل الطاقة والنقل والصناعة والإسكان والخدمات، وتوفر فرصًا اقتصادية للدول والشركات والمجتمعات المحلية.
في المقابل تبدو إيران وكأنها تسير في الاتجاه المعاكس؛ فبدل أن تستثمر في تخفيف التوتر وتوسيع العلاقات الاقتصادية، تواجه موجة جديدة غير مسبوقة من الضغط الأميركي، فقد استهدفت وزارة الخزانة الأميركية خلال الأشهر الماضية شبكات مالية ونفطية، وشركات مرتبطة بالصناعات العسكرية والبرنامج الصاروخي والحرس الثوري، كما وسعت نطاق ملاحقتها لشبكات التحايل على العقوبات، والعملات الرقمية، والتمويل غير الرسمي، ثم أضافت إجراءات تستهدف قطاعات جديدة، بما يزيد تكلفة التعامل مع الاقتصاد الإيراني ويضيّق هامش الحركة أمام الشركات والوسطاء.
إن إصرار نظام الملالي في إيران على استهداف دول الجوار، واستخدام الميليشيات، وتوسيع مناطق النفوذ، يضع المنطقة أمام تكلفة متواصلة؛ فكلما اتسعت دائرة التوتر، زادت المخاطر التي تهدد التجارة والطاقة والممرات البحرية والاستثمار. ولا يدفع ثمن هذه السياسة خصوم إيران وحدهم؛ فالمواطن الإيراني يعيش أيضًا آثار التضخم، وتراجع قيمة العملة، وارتفاع البطالة، وضيق الفرص الاقتصادية، كما أن توجيه الموارد نحو البرامج العسكرية وشبكات النفوذ الخارجية يقلل قدرة الدولة على معالجة مشكلاتها الداخلية.
تؤكد الإجراءات الأميركية المتكررة أن شبكات التمويل غير الرسمية تُستخدم لخدمة أجهزة النظام، وأنشطة مرتبطة بالحرس الثوري والبرامج العسكرية. غير أن استمرار هذه الشبكات لا يعني نجاح السياسة الإيرانية على المدى الطويل، بل يكشف حجم الاقتصاد الموازي الذي نشأ نتيجة العزلة. وكلما توسع هذا الاقتصاد، تراجعت الشفافية، وازدادت كلفة العمل والاستثمار، وأصبح المواطن العادي أكثر اعتمادًا على قنوات غير مستقرة.
إيران تواجه اليوم سؤالًا أكثر إلحاحًا: إلى متى يمكن الاستمرار في إدارة الإقليم من خلال الضغط والردع والوكالة المسلحة، بينما تتزايد حاجة المجتمع الإيراني إلى اقتصاد مفتوح، وعلاقات مستقرة، وفرص عمل، وخدمات أفضل؟ فالقوة الإقليمية لا تقاس فقط بعدد الحلفاء أو حجم الترسانة، بل أيضًا بقدرة الدولة على توفير حياة كريمة لمواطنيها.
ولعل من المفيد هنا التوقف عند حقيقة سياسية واضحة: صداقة الولايات المتحدة ليست مجانية، لكنها في كثير من الحالات أقل كلفة بكثير من عدائها. دول الخليج، على سبيل المثال، اختارت منذ عقود بناء علاقات استراتيجية مع واشنطن، ودخلت معها في شراكات أمنية واقتصادية وعسكرية، وتحملت بطبيعة الحال تكاليف هذه الشراكة والتزاماتها، لكنها في المقابل استفادت من بيئة أمنية أكثر استقرارًا، ومن الوصول إلى التكنولوجيا والاستثمارات والأسواق الأميركية، ومن شراكات طويلة الأمد أسهمت في حماية مصالحها الوطنية.
والأمر نفسه يمكن قراءته في تجارب اليابان وكوريا الجنوبية، وهما دولتان تعرضتا في الماضي لدمار هائل وحروب مدمرة، ثم اختارتا بناء شراكات استراتيجية عميقة مع الولايات المتحدة. لم تكن تلك العلاقة بلا أثمان أو خلافات، لكنها وفرت مظلة أمنية وبيئة دولية ساعدت البلدين على التركيز على التنمية والاقتصاد والتكنولوجيا، حتى تحولا إلى قوتين اقتصاديتين وصناعيتين كبيرتين. البراغماتية هنا لم تكن تنازلًا عن السيادة، بل كانت توظيفًا للعلاقات الدولية لخدمة المصلحة الوطنية.
أما إيران، فإن تكلفة الحرب الحالية تبدو مرتفعة بصورة لا يمكن تجاهلها. فالحرب لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ التي أُطلقت أو الأهداف التي استُهدفت، وإنما بما تتركه خلفها من بنية تحتية مدمرة، ومؤسسات اقتصادية أكثر إنهاكًا، وتراجع في الاستثمار، واضطراب في الأسواق، وضغوط إضافية على العملة والمالية العامة، فضلًا عن فاتورة إعادة الإعمار التي قد تمتد لسنوات. وكل ذلك يأتي فوق اقتصاد كان أصلًا يعاني من سنوات طويلة من العقوبات والعزلة.
وفي مثل هذه الظروف، لا يصبح السؤال الحقيقي: من يستطيع تحمل الحرب أكثر؟ بل: من يستطيع أن يتعلم منها أسرع؟ فالدول لا تنتصر بالضرورة عندما تصر على موقفها إلى النهاية، وإنما عندما تعرف متى تراجع حساباتها، ومتى تخفف خسائرها، ومتى تحول الخصومة إلى تفاوض، والصراع إلى مصالح مشتركة. النصر ليس بالعناد، وإنما بالبراغماتية؛ والقوة الحقيقية ليست في القدرة على مواصلة الحرب إلى ما لا نهاية، بل في امتلاك الشجاعة السياسية لاتخاذ القرار الذي يحمي الدولة وشعبها ومستقبلها.
إن العودة إلى الدولة الطبيعية هي قرار يومي يظهر في فتح الأسواق، واحترام الحدود، وتطوير المؤسسات، وإعطاء الاقتصاد مساحة للعمل، وبناء علاقات تقوم على المصالح بدل الخصومات، وسوريا تملك اليوم فرصة لبدء هذا الطريق، أما إيران فما زالت تملك فرصة لاختيار طريق مختلف.
في النهاية، قد لا يحدد الفارق بين المسارين القرار الأميركي وحده، بل قدرة كل دولة على فهم ما تريده شعوبها من الدولة؛ فالناس يريدون الأمن والعمل والاستقرار، ولا توجد عقيدة سياسية قادرة على تعويض هذه الاحتياجات إلى الأبد.
