أهلاً بالمستقبل

من يسير في شوارع البحرين صباحاً أو عند الظهيرة هذه الأيام، ويرى طلبتنا الأعزاء في طريقهم من وإلى مدارسهم، يشعر ببهجة استثنائية، وبتدفق الحياة والفرح في أرجاء الوطن. إن مشاهدة هذه الأفواج المتطلعة نحو المعرفة تبث في النفس طمأنينة عميقة، وتؤكد لنا بوضوح لا يقبل الشك بأن مستقبلنا بخير، وأن الغد يحمل في طياته بشائر التطور والازدهار مهما بلغت التحديات التي نعيشها اليوم.

تستوقفني في هذا المشهد المتجدد المقولة التراثية الخالدة: «من علمني حرفاً كنت له عبداً»، لتذكرنا بقيمة المعلم الراسخة ورسالة العلم السامية عبر امتداد التاريخ الإنساني. غير أن هذه القيمة النبيلة تجد اليوم في مملكة البحرين صياغة حديثة ومعاصرة تعكس الرؤية الملكية السامية لجلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه. إن حرص جلالته الدائم على التنويه والتأكيد مع بداية كل عام دراسي جديد، وتوجيه التهنئة الحارة لكوادر التعليم والطلاب، ليس مجرد بروتوكول سنوي أو إشارة عابرة؛ بل هو إعلان صريح ومباشر بأن جلالته يرى مستقبل هذا البلد من زاويته الصحيحة والوحيدة: زاوية التعليم العصري القائم على الابتكار، والبحث العلمي، وبناء الإنسان.
تؤكد تجارب التاريخ المعاصر وشواهده الشاخصة أن الدول الحديثة التي حققت قفزات نوعية في مجالات التنمية الشاملة، لم تبتنِ نهضتها على الثروات الطبيعية المحدودة أو الموارد المادية الفانية، بل قام بنيانها الصادق والراسخ على الاستثمار الاستراتيجي في العقول البشرية. ولم يكن ذلك بالتعليم التقليدي القائم على التلقين والسلبية، بل بالتعليم الصحيح والمتطور الذي يواكب العصر. فالمعلم في الرؤية الملكية السامية ليس مجرد موظف يقتصر دوره على حضور الفصل لتمضية الوقت أو تكرار ما حوته الكتب المقررة على مسامع طلابه؛ بل هو مربٍّ فاضل وموجه قدير، يغوص في أعماق المعرفة، ويرسخ مفاهيمها في نفوس الناشئة لتتحول إلى سلوك يومي، وفكر نير، وفلسفة عمل تتوارثها الأجيال.
لقد استوعب المنهاج التعليمي في البحرين الرؤية العالمية وأهميتها الاستراتيجية، متطوراً باستمرار ليتواكب مع التحولات المتسارعة في عصر التكنولوجيا الحديثة، والذكاء الاصطناعي، وثورة المعلومات. ومن هذه الزاوية الشاملة والمتقدمة، جاء التوجيه الملكي السامي بضرورة الاستفادة القصوى من آفاق الدراسة عن بعد، والاعتراف بها واعتمادها كوسيلة تعليمية حديثة وفاعلة، مع العمل المستمر على تطوير بنيتها التحتية المتقدمة وتحديث أدواتها التقنية.
هذا المنظور المتقدم فتح الأبواب واسعة أمام المدارس والمعاهد الدولية المرموقة في البحرين لتتكامل وتتلاحم مع المنظومة التعليمية الوطنية. ويعود هذا النجاح إلى أن البرامج التعليمية البحرينية انطلقت أساساً من أرضية دولية صلبة ومعترف بها عالمياً، مما جعل البيئة التعليمية في المملكة نموذجاً فريداً وجاذباً للخبرات العالمية، ومواكباً لأعلى المعايير والممارسات الأكاديمية الدولية.

وإذا ما نظرنا بعين التحليل إلى التجارب الدولية التي عرفت القيمة الحقيقية للعلم والتعليم، نجد أمثلة بارزة وعلامات فارقة مثل “سنغافورة” و”السويد” و”النرويج”، حيث تحولت هذه الدول إلى قمم متقدمة في مجالات التنمية البشرية والاقتصادية بفضل التركيز المطلق على جودة التعليم، وتطوير المهارات، وبناء الاقتصاد القائم على المعرفة. كما أن نهضة أوروبا الحديثة وثورتها الصناعية والتكنولوجية لم تكن لتتحقق لولا الثورة التعليمية الكبرى وحركة التنوير الفكري التي سبقتها وأسست لها. إن المقارنة الذكية مع هذه التجارب تعزز المسار الحضاري الذي تمضي فيه مملكة البحرين بخطى ثابتة، وتؤكد أن الاستثمار في المعرفة هو الخيار الاستراتيجي الوحيد لضمان الاستدامة، والريادة، والازدهار بين الأمم.
إن التحدي الأكبر الذي نواجهه اليوم يكمن في فهم التحول الجوهري في مفهوم التعليم ذاته؛ فالتعليم لم يعد مجرد تحصيل لمنهج أكاديمي صلب أو حفظ دروس واستظهارها في امتحانات جافة، بل أصبح نشاطاً حياتياً متكاملاً يستهدف بناء شخصية التلميذ بشكل شامل ومتوازن. إن الهدف الأسمى للمنظومة الحديثة هو إيجاد متعلم متفاعل ومبتكر، يستطيع أن يحلل ويستنتج، ويملك مهارات التفكير النقدي، والقدرة على حل المشكلات المعقدة، والتعامل مع معطيات العصر الرقمي بكفاءة واقتدار.
ربما يجب أن أقول إن شغفي بالتعليم والبيئة التعليمية ليس وليد الصدفة، بل هو غرس مبارك ونتاج تجربة إنسانية عميقة؛ فقد آمنت والدتي رحمها الله وأسكنها فسيح جناته بالقيمة المطلقة للتعليم، وأعطت كل ما لديها من طاقة وعلم وحب ورعاية لطلبة فقراء في مدرسة بسيطة بـ “برج البراجنة” في بيروت. لقد زرعت في داخلي منذ الصغر حباً جمّاً للعلم والتعلم، وحرصت بكل ما أوتيت من قوة على حثي لإكمال مسيرتي التعليمية، رغم الظروف القاسية والصعبة التي واجهتها بعد وفاتها وأنا لا أزال طفلاً صغيراً.
وربما لهذا السبب الإنساني والوجداني العميق، اتجهت مبكراً للاستثمار في قطاع التعليم من خلال التوسع في تأسيس ودعم الصروح التعليمية المتميزة، مثل “المدرسة البريطانية في البحرين” و”مدرسة كويست” وغيرها من المؤسسات التي تسعى لتقديم تعليم نوعي فريد. كما أنني أحب دائماً وأحرص على تشجيع كل من حولي وفي محيط عملي على مواصلة التعلم والاستزادة من المعرفة؛ فالتعليم في يقيني ليس مجرد مرحلة عابرة نمر بها في صغرنا، بل هو المنهج الشامل والحياة كلها.
في الواقع، إن الشغف بالعلم والتعليم في البحرين ليس حديث العهد أو ولد اليوم، بل هو نتاج إرث تاريخي عريق وتجذر حضاري أصيل يضرب بجذوره في عمق الهوية البحرينية، وهذا الوعي المجتمعي المبكر تمثّل في محطات تاريخية مبالغة في الأهمية، فللبحرين الريادة والسبق في المنطقة بتأسيس أول مدرسة نظامية حديثة (مدرسة الهداية الخليفية عام 1919)، يتبعها التعليم النظامي للبنات الذي شكل نقطة تحول فارقة في مسيرة التنوير. ولم تكتفِ البحرين بفتح أبواب المدارس، بل جعلت من تكريم أهل العلم ثقافة وطنية راسخة يجسدها الاحتفاء السنوي بـ “عيد العلم”، تلك المناسبة الوطنية الجامعة التي يُحتفى فيها بالعلماء والباحثين والخريجين والمتميزين. إن هذا الترابط الوثيق بين تاريخ البحرين المنفتح على العالم وشعبها المتشوق للمعرفة يبرهن على أن التعليم في هذه الجزيرة المعطاءة ليس مجرد تحصيل دراسي، بل هو جين حضاري وثقافة متوارثة تجعل من الإنسان البحريني ركيزة التنمية وعماد المستقبل.
ومن هنا، يمكن قراءة الرعاية الملكية السامية والرؤية الحكيمة للتعليم والتي تعيد للمعلم هيبته ورسالته العظيمة، وللتلميذ طموحه وشغفه للابتكار، وللمؤسسة التعليمية دورها القيادي والمحوري في نهضة المجتمع. إنها رؤية استشرافية حكيمة تؤسس لمستقبل واعد ومشرق، يكون فيه أبناء البحرين قادرين على المنافسة في المحافل العالمية بثقة واقتدار، ومسلحين بالمعرفة العصرية، ومساهمين بفاعلية واقتدار في صنيع نهضة وطنهم وازدهاره المستمر.

بواسطة akmiknas

أضف تعليق