مكة تجمعنا

اتفاقٌ للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان في مكة، ويحمل اسم مكة، هذه المدينة المكرمة التي تجمع المسلمين من كل أصقاع الأرض، بجميع أعراقهم وطوائفهم، دون تفرقة بين أحد منهم. وأرى في ذلك دلالة كبيرة، ورسالة موجهة إلى إيران نفسها: نحن كمسلمين لا يجب أن نعتدي على بعضنا البعض، بل أن نكون كالبنيان المرصوص.

القيادة الإسلامية في الإيران، مع الأسف، اختارت ولا زالات توجيه نيرانها نحو جيرانها في دول الخليج المسلمة، ولا زالت تمعن في استهداف الخليج ليس عسكريا فقط، بل أمنيا واقتصاديا أيضا، وحلف مكة ليس موجها ضد إيران كما أعلن القائمون عليه، والسعودية وباكستان وتركيا يبذلون جهودا حثيثة لإيقاف الحرب، ورغم ذلك لا تزال إيران ترى أن ردها على أمريكا يتم عبر استهدافها دول الخليج! يا للعجب.

اتفاقية مكة، أو حلف مكة، يأتي أيضا في وقت تكشفت فيها أكثر أمامنا حقيقة أنه يجب أن نحمي أنفسنا بأنفسنا، لا أن نعتمد في ذلك على أي جهة خارجية حتى لو كانت الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها. لا نريد استعداء أمريكا، أو التقليل من أهميتها، لكن لا بأس في تنويع خياراتنا الاستراتيجية.

فمع بداية الحرب الإمريكية الاسرائلية مع إيران دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة تغيرت فيها قواعد اللعبة العسكرية والخطوط الحمراء التي ظلت راسخة لعقود، بل تغير أيضاً سلوك القوى الكبرى. فالولايات المتحدة ما زالت القوة العسكرية الأهم في المنطقة، لكن دول الشرق الأوسط أدركت تدريجياً أن الحماية الأميركية لم تعد تلقائية كما كانت في السابق. وهنا لا يتعلق الأمر بمسألة ثقة أو عدم ثقة، بل بحسابات مصالح دقيقة وتكلفة تدخلات تُعاد دراستها في كل مرة.

ومن هذا السياق يمكن فهم منطق الاتفاق نفسه، فالسعودية تسعى إلى تعزيز قدرتها الدفاعية وتقليل نقاط الضعف الاستراتيجية، وتركيا تعمل على توسيع دورها الإقليمي مع الحفاظ على موقعها داخل الناتو، بينما تبحث باكستان عن توسيع حضورها في الخليج وتعزيز عمقها الاستراتيجي. ورغم أن هذه المصالح ليست متطابقة بالكامل، إلا أنها تلتقي عند نقطة مركزية واحدة: الحاجة إلى بناء ردع مشترك.

ولهذا فإن العبارة الأساسية في الاتفاق، التي تنص على أن الهجوم على دولة هو هجوم على الجميع، يمكن قراءتها كأداة تهدف إلى إعادة تشكيل حسابات الخصوم. فهي لا تعلن حرباً بقدر ما ترفع تكلفة اتخاذ قرار عدائي، وهذا هو جوهر الردع في أبسط صوره: جعل الحرب خياراً مكلفاً وغير مضمون النتائج.

ومع ذلك يظل السؤال مفتوحاً حول طبيعة الطرف الذي يُفترض أن يقرأ هذه الرسالة، هل هو إيران؟ أم إسرائيل؟ أم الولايات المتحدة؟ أم أن الفكرة أصلاً لا تستهدف طرفاً بعينه؟ والأرجح أن قوة الاتفاق تكمن تحديداً في أنه لا يمكن اختزاله في خصم واحد، لأن التحالفات التي تُبنى على عدو محدد غالباً ما تفقد معناها أو تتفكك عندما تتغير الظروف السياسية.

ومن هنا يمكن فهم التحول في السياسة السعودية خلال السنوات الأخيرة، إذ اتجهت إلى تنويع علاقاتها بشكل واضح من خلال فتح قنوات حوار مع خصومها، وتوسيع شراكاتها مع الصين وروسيا، مع الحفاظ في الوقت نفسه على العلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة. وبالتالي فهي لا تبحث عن بديل واحد بقدر ما تبحث عن مرونة استراتيجية أوسع، ويأتي اتفاق مكة كجزء طبيعي من هذا التوجه.

أما تركيا فهي تمثل حالة أكثر تعقيداً، لأنها من جهة عضو في الناتو، ومن جهة أخرى تتحرك كقوة إقليمية مستقلة في الشرق الأوسط والقوقاز والبحر الأسود. ومع تطور صناعتها الدفاعية أصبحت أقل اعتماداً على الخارج وأكثر قدرة على تصدير التكنولوجيا العسكرية، وهو ما يمنحها وزناً إضافياً في أي منظومة دفاعية مشتركة.

وفي المقابل تضيف باكستان بعداً مختلفاً تماماً، يتمثل في الخبرة العسكرية والبشرية المتراكمة، إضافة إلى كونها دولة نووية ذات ثقل استراتيجي. وعند جمع هذه العناصر الثلاثة تتشكل ملامح احتمال أوسع ألا وهو بناء قاعدة لصناعة دفاعية مشتركة تتجاوز فكرة التنسيق العسكري إلى الإنتاج الفعلي.

وهنا تكمن الفكرة الأهم في الاتفاق كله: الانتقال من منطق شراء السلاح إلى منطق إنتاجه. فالدول التي تكتفي بالشراء تبقى مرتبطة بالمورد الخارجي سياسياً وتقنياً، بينما تلك التي تنتج تمتلك قدراً أكبر من الاستقلال الاستراتيجي. ولذلك فإن مستقبل الاتفاق يُقاس بقدرته على إنتاج مشاريع مشتركة من مصانع، ومراكز أبحاث، وبرامج تدريب، وأنظمة دفاع جوي، وأمن سيبراني، وشبكات إنذار مبكر.

إن تحويل اتفاق مكة إلى نواة “نيتو إسلامي” يتطلب وقتاً، ومؤسسات دائمة، وقيادة مشتركة، وميزانية واضحة، وآليات قرار دقيقة، والأهم من كل ذلك: مستوى عالٍ من الثقة السياسية بين الأطراف، لأن التحالفات لا تُختبر في أوقات الهدوء، بل عند أول أزمة حقيقية، إذ يتضح معنى عبارة “الهجوم على الجميع”: هل هي التزام عملي فعلاً، أم مجرد إعلان سياسي مرن؟

ولهذا لا يكفي الخطاب وحده، بل يجب أن تترجم الفكرة إلى مؤسسات مثل غرفة عمليات مشتركة، وتدريبات دورية، وتبادل استخباراتي، ومشاريع صناعية، وأنظمة دفاع متكاملة. وبدون ذلك سيبقى الاتفاق إطاراً سياسياً أكثر منه منظومة أمنية فاعلة.

ربما لا يحتاج العالم الإسلامي إلى نسخة مطابقة من النيتو بقدر ما يحتاج إلى منظومة أمنية مرنة، تجمع دولاً مختلفة في أنظمتها وتحالفاتها، لكنها تتفق على مبدأ واحد: أن أمنها لا يجب أن يبقى مرهوناً بقوة خارجية واحدة.

أرى أن السعودية وتركيا وباكستان ستبذل ما في وسعها لتحويل هذا الاتفاق من إطار سياسي إلى بنية مؤسساتية وقدرات عملية، ويكون اتفاق مكة بداية تحول حقيقي في التفكير الأمني الإقليمي؛ لأنه سيجبر الجميع على إعادة حساباتهم، وإذا نجحت في ذلك، فقد لا يكون اتفاق مكة مجرد بداية ناتو إسلامي، بل بداية مرحلة جديدة تجعل الحرب نفسها خياراً أقل احتمالاً.

 

بواسطة akmiknas

أضف تعليق