في أحد النقاشات التي جمعتني بصديق يعمل أستاذًا للفلسفة في جامعة أكسفورد، تطرق الحديث إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية في عالم السياسة المعاصرة: كيف يمكن لمعلومة واحدة، إذا كانت مضللة أو غير دقيقة، أن تعيد تشكيل مصير دول وشعوب ومناطق بأكملها؟
هل قرار الحرب الأمريكي ضد إيران كان صحيحا؟ هل اعتقد الرئيس ترمب أن المسألة مع إيران ستكون “نزهة” سريعة كما حدث مع فنزويلا عندما اعتقلت قوة أمريكية خاصة الرئيس مادورو؟ هل صدق رواية نتنياهو بالفعل؟ على أية معلومات استخبارية تم اتخاذ القرار؟ ثم ما الذي دفع الرئيس ترمب للاعتقاد -كما صرح أكثر من مرة- بأن إيران لن تقصف جيرانها دول الخليج ردا على القصف الأمريكي لها؟
التاريخ الحديث يقدم أمثلة واضحة يصعب تجاوزها عند مناقشة هذا الموضوع. فالحرب على العراق عام 2003 قامت إلى حد كبير على معلومات استخباراتية تتعلق بامتلاك أسلحة دمار شامل، وهي معلومات ثبت لاحقًا أنها لم تكن دقيقة أو على الأقل لم تكن بالمستوى الذي يبرر قرار الحرب. وفي أفغانستان، بُنيت قرارات استراتيجية طويلة المدى على تقديرات لم تفهم تعقيد البنية الاجتماعية والقبلية والدينية، ولا طبيعة الدولة الهشة هناك. وحتى حرب فيتنام، التي أصبحت نموذجًا كلاسيكيًا في دراسات الفشل الاستراتيجي، ما زالت تُناقش حتى اليوم من زاوية دقة المعلومات التي سبقت التصعيد، وكيف تم تفسيرها داخل دوائر القرار السياسي والعسكري.
لا يجب على القادة والزعماء ومتخذي القرار الركون إلى تقارير الاستخبارات على أنها حقائق مطلقة، وتنفيذ توصيات أجهزة الاستخبارات دون تفحص وتمعن، لكن الأنكى من ذلك أن يطلب القائد أو الزعيم من الاستخبارات تقديم تقارير مزيفة لدعم قرارات اتخذها سابقا وتحقيق مآرب أو نزوات شخصية، هنا تكمن الكارثة الكبرى.
يمكن الإشارة أيضا إلى أجهزة الاستخبارات تحكم الدولة من خلف الستار، وأكاد أقول إن مصطح الدولة العميقة يعني “الاستخبارات العميقة”: أولئك الرجال الدهاة الأقوياء القابعين بالظل والذين يحركون من خلف الكواليس الساسية والأحزاب والمال والإعلام.
في الواقع، نقاشي مع صديقي استاذ الفلسفة في جامعة أكسفورد لم حول السياسة أو الجغرافيا السياسية، بل كان أقرب إلى تفكيك فلسفي لبنية القرار نفسه، ومحاولة فهم اللحظة التي يتحول فيها الظن والتخمين إلى حقيقة ويقين، ومن ثم إلى حرب.
كان السؤال الذي ظل يطوف بيننا بإلحاح بسيطًا في صياغته، لكنه بالغ التعقيد في دلالاته: ماذا يحدث عندما يُبنى أخطر قرار سيادي في الدولة على معلومة لم تخضع للتدقيق الكافي، أو كانت في أصلها خاطئة، أو جرى تضخيمها داخل دوائر صنع القرار حتى اكتسبت وزنًا لا تستحقه؟ عند هذه النقطة لا تعود المشكلة تقنية أو إجرائية تتعلق بجودة التقارير، بل تتحول إلى أزمة معرفية عميقة تمس جوهر العلاقة بين الحقيقة والسلطة، وبين ما يُعتقد أنه معرفة وما يُمارس فعليًا كـ قرار.
إن المشكلة الجوهرية لا تكمن فقط في وقوع الخطأ، بل في تحويل المعلومة إلى “حقيقة نهائية” داخل مؤسسات القرار. فعندما تُعامل التقارير الاستخباراتية باعتبارها يقينًا غير قابل للنقاش، يفقد السياسي أهم أدواته العقلية، وهي الشك المنهجي، والمراجعة المستمرة، وإعادة التقييم. وفي هذه اللحظة تحديدًا، تتحول الاستخبارات من أداة مساعدة على الفهم إلى بنية صلبة تُبنى عليها الحروب والعقوبات وإعادة تشكيل الاقتصاد وحتى رسم خرائط النفوذ الدولي.
ورغم أن أجهزة الاستخبارات وُجدت أساسًا لتقديم المعرفة وتقليل مساحة الجهل أمام صانع القرار؛ فإنها تظل في النهاية نتاجًا بشريًا خالصًا، يخضع للخطأ والانحياز والتأثيرات النفسية والتنظيمية. وغالبًا ما تُبنى قرارات الحرب والسلم على “أفضل تقدير متاح” في لحظة معينة، لا على يقين مطلق، لأن الحقيقة الكاملة نادرًا ما تكون متاحة في عالم معقد ومتشابك، مليء بالتضليل المتعمد، والمعلومات الناقصة، والحرب النفسية بين الدول.
وتزداد الخطورة بشكل كبير عندما تتداخل السياسة مع التحليل الاستخباراتي، فتتحول المؤسسة من جهاز كشف وتحليل إلى جهاز تبرير. وعند هذه النقطة لا يعود السؤال المركزي: ماذا نعرف عن الواقع؟ بل يتحول إلى سؤال أكثر خطورة: ماذا نريد أن نثبت عن الواقع؟ وهنا يبدأ الانزلاق الحقيقي نحو قرارات مشوهة، لأن المعلومة لم تعد تُستخدم لفهم العالم، بل لتأكيد قرار تم اتخاذه مسبقًا أو رغبة سياسية قائمة.
وفي السنوات الأخيرة تزايد الجدل حول دقة التقديرات في عدد من الصراعات الدولية، مما يعكس حقيقة أساسية وهي أن الخطأ الاستخباراتي احتمال دائم في أي نظام بشري مهما بلغت درجة تطوره أو تعقيده أو تمويله.
وبالتالي فإن التعامل مع تقارير أجهزة كبرى مثل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) أو جهاز الموساد أو غيرهما من الأجهزة العالمية، يجب أن يكون ضمن إطار التقييم النقدي لا التسليم المطلق. فهي مؤسسات قوية تمتلك خبرات هائلة وموارد ضخمة، لكنها في النهاية مؤسسات بشرية، تخضع لنفس القيود التي تخضع لها أي منظومة معرفية أخرى.
أما في ما يتعلق بأي مواجهة كبرى محتملة مثل إيران، فإن طبيعة الحروب الحديثة تشير بوضوح إلى أنها لم تعد قابلة للحسم السريع أو النتيجة الصفرية. فتكلفتها تمتد إلى الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، والاستقرار الإقليمي، مما يجعل مفهوم “الانتصار” نفسه نسبيًا ومعقدًا، وليس نتيجة واضحة يمكن قياسها بسهولة.
إن الحروب اليوم لا تحقق ما كانت تحققه في الماضي؛ فالاحتلال العسكري لم يعد يضمن السيطرة السياسية، والتفوق العسكري لا يضمن الاستقرار، والضربة الأولى لا تعني نهاية الصراع. لذلك أصبحت الدول الكبرى أكثر حذرًا في خوض الحروب المباشرة، وأكثر ميلًا إلى أدوات الضغط غير المباشر.
والدرس الأساسي الذي يمكن استخلاصه هو أن المعلومة الاستخباراتية ليست حقيقة نهائية، بل أداة تحليل تحتاج إلى مراجعة مستمرة وتفكيك دائم. وكلما زادت مصادر التحقق وتعددت زوايا النظر، قلت احتمالات الخطأ الاستراتيجي الذي قد تكون كلفته باهظة على مستوى الدول والشعوب.
الدول التي تتعلم من أخطائها الاستخباراتية تقلل خسائرها المستقبلية، أما تلك التي تكرر أنماطها دون مراجعة نقدية، فإنها تعيد إنتاج الأزمات نفسها بأشكال مختلفة، حتى وإن تغيّرت الأسماء والحدود والسياقات.
