قبل أيام خضت حديثاً عابراً مع ثلاثة أشخاص من ثلاث دول مختلفة. لم يكن اللقاء سياسياً، ولم يكن أي منهم متخصصاً في العلاقات الدولية، لكن السؤال الذي دار بينهم كان متشابهاً: هل تمثل روسيا تهديداً حقيقياً في العالم اليوم؟
جاءت الإجابات متباينة بشكل لافت؛ فأحدهم رأى أن روسيا أصبحت مصدر قلق مباشر لأوروبا بعد الحرب الأوكرانية، بينما أكد آخر أنه لا يشعر بأي تأثير روسي مباشر على حياته اليومية لأن بلاده بعيدة عن مناطق التوتر، أما الثالث فاعتبر أن جزءاً كبيراً من الصورة السلبية المرتبطة بروسيا يعود إلى طريقة تناول الإعلام للأحداث، أكثر مما يعكس واقعاً يعيشه الناس فعلياً.
هذا التباين في وجهات النظر يفتح الباب أمام سؤال أوسع وأكثر عمقاً: كيف تبدو روسيا من خلال الوعي العالمي المعاصر؟ وهل يمكن اختزال دورها في صورة واحدة ثابتة باعتبارها “تهديداً”؟ أم أن موقعها في النظام الدولي أكثر تعقيداً، ويتغير تبعاً للجغرافيا والمصالح والتجارب التاريخية؟ والأهم من ذلك، كيف تتعامل دول الخليج، وفي مقدمتها مملكة البحرين، مع روسيا ضمن سياسة خارجية تقوم على التوازن والانفتاح وتجنب الاستقطاب الحاد؟
من الواضح أن أياً من المتحدثين لم ينكر حقيقة أن روسيا تُعد قوة كبرى ذات حضور عسكري وسياسي مؤثر على الساحة الدولية، لكن الاختلاف كان في تفسير هذا الحضور. فالبعض يراه سبباً كافياً للقلق، بينما يرى آخرون أن امتلاك القوة لا يعني بالضرورة استخدامها بشكل عدائي دائم، في حين يركز طرف ثالث على أن معيار التقييم الحقيقي هو مدى تأثير هذه القوة على الأمن والاقتصاد في كل دولة على حدة.
هنا تتضح نقطة جوهرية، وهي أن صورة روسيا في أذهان الدول ليست واحدة، بل تتشكل وفق موقع كل دولة في العالم وتجربتها المباشرة معها. فالدول القريبة جغرافياً من روسيا، خصوصاً في أوروبا الشرقية، تنظر إليها من زاوية أمنية مباشرة ترتبط بالتاريخ والجوار والمخاوف الدفاعية، بينما الدول البعيدة عنها تتعامل معها من منظور مختلف تماماً، غالباً ما يرتبط بالاقتصاد والطاقة والتوازنات الدولية.
كما أن التاريخ السياسي والتحالفات العسكرية تلعب دوراً مهماً في تشكيل هذه الصورة؛ فالدول التي عاشت تجارب صراع أو توتر مع روسيا تنظر إليها بحساسية أكبر، في حين أن دولاً أخرى لم تدخل في مواجهات مباشرة معها تميل إلى مقاربة أكثر براغماتية وهدوءاً.
ومن الطبيعي أن تتبنى بعض الدول الأوروبية موقفاً أمنياً أكثر تشدداً تجاه روسيا، خاصة في ظل التوترات التي شهدتها القارة خلال السنوات الأخيرة، وما تبعها من إعادة صياغة للسياسات الدفاعية وتعزيز للتحالفات العسكرية. غير أن هذا المنظور، رغم أهميته في سياقه الإقليمي، لا يمكن تعميمه على بقية مناطق العالم، لأن طريقة إدراك روسيا وتقييمها كقوة دولية تختلف من بيئة إلى أخرى، تبعاً لاختلاف المصالح والظروف الجغرافية وطبيعة التهديدات التي تواجه كل دولة.
فالدول البعيدة عن الجوار الروسي غالباً ما تنظر إلى موسكو من زاوية تأثيرها على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، أكثر من تركيزها على البعد الأمني المباشر. وهذا ما يجعل تقييم روسيا متغيراً من منطقة إلى أخرى، دون وجود تعريف واحد ثابت لطبيعة دورها الدولي.
ومن هنا يمكن فهم مقاربة دول الخليج العربي، التي تتعامل مع الدب الروسي باعتباره قوة دولية فاعلة ضمن نظام عالمي متعدد الأقطاب، وليس كطرف يجب الاصطفاف ضده أو معه بشكل مطلق. وهذا النهج القائم على التوازن أتاح لدول الخليج الحفاظ على قنوات تواصل مفتوحة مع مختلف القوى الكبرى، بما في ذلك روسيا، في ملفات متعددة تتعلق بالطاقة والاقتصاد والاستقرار الإقليمي.
وفي هذا السياق، لم تكن مملكة البحرين بعيدة عن هذا التوجه، إذ تقوم سياستها الخارجية على الانفتاح المتوازن وبناء علاقات قائمة على المصالح المشتركة، مع الالتزام بثوابت واضحة تتمثل في احترام القانون الدولي ودعم الاستقرار الإقليمي. ويعكس هذا النهج إدراكاً عميقًا لطبيعة العلاقات الدولية التي يجب تُدار عبر رؤية طويلة المدى تراعي مصالح الدولة وأمنها في آن واحد.
ويعكس هذا الفهم أيضاً فهمًا عملياً لماهية النظام الدولي المعاصر، الذي أصبح يقوم على شبكة معقدة من المصالح المتداخلة. لذلك فإن التعاون مع روسيا في بعض الملفات قد يكون ممكناً وضرورياً، حتى في ظل وجود اختلافات في ملفات أخرى.
ولا تقتصر أهمية روسيا على بعدها السياسي أو الأمني فقط، بل تمتد إلى مجالات الطاقة والتجارة والتكنولوجيا والأمن الغذائي، وهي مجالات تجعلها لاعباً مؤثراً في معادلات الاقتصاد العالمي. وهذا ما يدفع العديد من الدول إلى تنويع علاقاتها معها، ليس بالضرورة من منطلق الاتفاق السياسي، بل من منطلق إدارة المصالح في عالم متغير.
وفي المقابل فإن التعامل مع روسيا يتطلب قدراً كبيراً من الواقعية السياسية، لأن النظام الدولي الحالي يتسم بالحركة المستمرة وتغير موازين القوى. وبالتالي فإن الدول التي تنجح في إدارة علاقاتها مع موسكو هي تلك التي تفهم هذا التحول وتتعامل معه بمرونة دون التخلي عن ثوابتها الأساسية.
ولا يمكن تجاهل الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام في تشكيل الصورة الذهنية عن روسيا، فالتغطيات والتحليلات تختلف بشكل كبير بين منطقة وأخرى، مما يؤدي إلى تباين واضح في إدراك الجمهور لطبيعة دورها الدولي. كما أن التحولات التي شهدها النظام الدولي خلال العقود الأخيرة جعلت من روسيا عنصراً أساسياً في معادلات التوازن العالمي، سواء في ملفات الأمن أو الطاقة أو الاقتصاد. وهذا ما يفسر استمرار تفاعل الدول معها، حتى تلك التي تختلف معها سياسياً، في إطار إدارة المصالح المشتركة.
وبالتالي يمكن القول إن روسيا ليست مفهوماً ثابتاً في الوعي الدولي، بل هي صورة تتغير وفق موقع كل دولة وتجربتها ومصالحها. فما يُنظر إليه كتهديد في سياق معين قد يُنظر إليه كشريك في سياق آخر، دون أن يعكس ذلك تناقضاً بقدر ما يعكس تعقيد النظام الدولي نفسه.
ومن هنا تبرز أهمية تبني مقاربة واقعية وهادئة في التعامل مع روسيا، تقوم على فهم المصالح وإدارة التوازنات بدلاً من الانجرار إلى الانحيازات الحادة أو الأحكام المسبقة. وهو النهج الذي تتبناه دول الخليج، وفي مقدمتها مملكة البحرين، في سعيها للحفاظ على استقرارها وتعزيز حضورها في عالم سريع التغير، تتزايد فيه أدوار القوى الكبرى، وعلى رأسها روسيا، في رسم ملامح المرحلة المقبلة.
