على مر تاريخ الحروب البشرية نجد انها ليست مجرد سلسلة من المعارك المتصلة، بل هو سجل حافل بالتحولات الجذرية التي لم تكن لتنتهي لولا اللحظة الدراماتيكية الحاسمة، إن تأمل مسار النزاعات الكبرى يكشف لنا حقيقة ساطعة للحروب، وخاصة تلك التي تدور احداثها بين قوى متكافئة أو أيديولوجيات متصادمة، لا ينهيها التفاوض الهادئ في بداياتها، بل ينهيها عمل مباغت يكسر إرادة القتال ويفرض واقعا جديدا لا يمكن القفز فوقه، هذا الحسم هو المحرك الفعلي للتاريخ وبدونه تتحول النزاعات إلى استنزاف أبدي يستنفد طاقات الشعوب.
لقد استمرت الحرب العالمية الثانية لمدة ست سنوات، ذاقت فيها البشرية الويلات لم تعرفها من قبل، كان العالم يعيش حالة من الكر والفر، على مبدأ اليوم رابح وغدا خاسر. في تلك الأثناء كان هناك سباق خفي قائم في المختبرات العلمية، لم تكن النظرية الفيزيائية وراء الانشطار النووي سرا، بل كانت مفهومة لدى الجميع لكن المعضلة الكبرى كانت في الشروع في التطبيق، كان العالم يدرك أن من سيضع يده على هذا السلاح أولا فهو من سيضع حدا نهائيا للقوى العالمية وسيفرض نفوذه وسيطرته على الخارطة.
كان الجميع في سباق مع الزمن، فالمبدأ العلمي متاح لكن القدرة على تحويله إلى قنبلة فعلية كانت هي الفيصل، وعندما أسقطت الولايات المتحدة القنبلة الذرية على مدينتي هيروشيما وناكازاكي، لم يكن الأمر مجرد عمل عسكري، بل كان صدمة دراماتيكية شلت التفكير الياباني وأجبرت الإمبراطورية التي لا تقهر على الانحناء أمام هذا الجبروت، لولا هذا العمل الجذري، لربما استمرت الحرب سنوات أخرى، حاصدة ملايين الأرواح في غزو بري كان سيكلف الكثير. هذا المنطق ليس جديدا، فإذا عدنا بالزمن إلى الوراء نجد أن العثمانيين أيضا حسموا معاركهم الكبرى بالمدفع الأمر الذي غير مفهوم الحصار، وقبل ذلك كان التحول من القتال بالحجارة إلى السيوف المعدنية هو الفيصل في البقاء.
بالانتقال إلى المشهد المعاصر، وتحديدا الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، نجد أن الحسم لا يبدو سهلا كما كان في الأربعينيات، فنحن أمام طرفين لكل منهما حسابات وجودية وأطماع سياسية معقدة، بالنسبة لإيران الحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل هي اختبار لمشروع ولاية الفقيه، فنهاية الحرب بالشروط الأمريكية تعني بالنسبة لهم نهاية حلم توسعي وأيديولوجي استثمروا فيه عقودا، وهو أمر غير مقبول في دهاليز صنع القرار بطهران، لأن انهيار هذا المشروع يعني انهيار الشرعية التي قامت عليها الدولة منذ زمن.
على الجانب الآخر، تقف الولايات المتحدة بإدارة ترامب أمام حسابات مختلفة تماما، أمريكا لا تريد حربا مفتوحة تؤثر سلبا على معيشة المواطن الأمريكي إن طال أمد الصراع، بل تسعى لمواجهة غول التضخم وارتفاع معدلات البطالة، والصعود الجنوني في أسعار النفط، أمريكا تريد أن تعيش مدللة مرفهة، والتجارة العالمية هي الشريان الذي يغذي هذه الرفاهية. أي تهديد لسلاسل الإمداد العالمية يعني هزة في الداخل الأمريكي قد تؤود إلى الاطاحة بالحكومات وتغير المزاج السياسي الشعبي، ولذلك تبحث واشنطن عن حلول تحقق “” الردع دون الانزلاق في حرب استنزاف لا تنتهي.
في ظل هذا الانسداد السياسي والعسكري، أرى ان الحل الدراماتيكي يتمثل في مضيق هرمز كنقطة حاسمة في هذا الصراع، هذا الممر المائي ليس مجرد طريق تجاري، بل هو الورقة السحرية التي تحولت إلى ما يمكن وصفه بأنه حصار على الحصار، اعتقد أن الحل النهائي لضمان رضوخ إيران لن يكون عبر غزو بري أو قصف جوي شامل، بل عبر السيطرة المطلقة والتحكم في هذه الورقة، إن الجغرافيا هنا هي التي تتحدث، والتحكم في الممرات المائية يعادل في قوته امتلاك السلاح النووي في العصر الحديث.
القاعدة التي فرضت نفسها مؤخرا هي تمنعني من الخروج، أمنعك من الدخول، هذا الطوق المتبادل حول مضيق هرمز هو ما سيجبر الطرفين على الاتفاق. إيران ستقبل بالواقع في النهاية، لأنها تعلم يقينا أن التحكم في مضيق هرمز أمام قوة بحرية كبرى هو أمر في غاية الصعوبة من الناحية التقنية والعسكرية، هذه الورقة التي استخدمتها إيران للضغط، أصبحت اشبه بطوق خارج طوق، مما يجعل من فك الارتباط أمرا يحتاج إلى جراحة سياسية دقيقة وليس مجرد تصريحات إعلامية.
إن القراءة الواقعية للمشهد تشير إلى أننا سنرى قريبا جلسة جديدة من المفاوضات، لكنها لن تشبه سابقاتها. ستكون جلسة محملة بالتنازلات المؤلمة من الطرفين للوصول إلى حل وسط. لم يعد من مصلحة إيران إطالة أمد هذا الوضع. فقد تعلمت طهران، أن ضرب جيرانها في الخليج لن يفيدها في شيء، فالأضرار التي لحقت بدول الجوار مهما كانت كبيرة، لم تحقق نفعا استراتيجيا لإيران، بل زادت من عزلتها وأفقدتها أي تعاطف إقليمي، وهذا ما أكده لي مقربون من دوائر صنع القرار في طهران، فالعنف الموجه للجيران لم يغير من موقف أمريكا، بل زاد من إصرارها على الحصار.
لقد أدرك الجميع أن أمريكا لن تستطيع فعل شيء حاسم حيال إيران في الداخل دون دفع ثمن باهظ، والعكس صحيح، فإيران لا تملك الأدوات لتغيير النظام العالمي أو كسر الهيمنة الأمريكية في الوقت الراهن، هذا التكافؤ في العجز هو ما يدفع بالحل نحو مضيق هرمز، الممر الذي يمثل شريان الحياة للعالم أجمع. إن الصراع حول هذا المضيق كشف عن حدود القوة لكل طرف، وجعل من العودة إلى طاولة الحوار ممرا إجباريا لتفادي كارثة اقتصادية عالمية قد لا ينجو منها أحد، بمن في ذلك إسرائيل التي تراقب المشهد بحذر وترقب.
يظل مضيق هرمز هو الممر الأهم للخليج وللعالم أجمع، وأي تلاعب فيه هو مقامرة بمستقبل الاستقرار البشري، إن الحلول الدراماتيكية في التاريخ كانت تهدف دائما لتوفير الأرواح عبر إنهاء الصراعات بسرعة، واليوم نأمل أن يكون حصار الحصار في هرمز هو الدافع الأكبر لتحقيق السلام. إننا ندعو الله سبحانه وتعالى أن يعيد لنا بصرنا وبصيرتنا، وأن تدرك القوى المتصارعة أن الاستنزاف لا يبني دولاً، وأن العودة إلى الطريق المستقيم تبدأ من احترام الجوار وضمان حرية التجارة والعيش بسلام، بعيداً عن أحلام التوسع وأوهام القوة المطلقة.
