ثمة سؤال يفرض نفسه بقوة في عالم مضطرب تتسع فيه دوائر الصراع، وتتداخل فيه السياسة بالقوة، وتختلط فيه المصالح بالمبادئ: ما الفرق بين الإرهاب الذي يمارسه فرد أو جماعة، والإرهاب الذي تمارسه دولة؟ وهل تختلف طبيعة الفعل عندما يأتي من جهة تملك جيشاً وسلاحاً متطوراً ومؤسسات سياسية، عن الفعل نفسه عندما يصدر عن جماعة أو تنظيم؟
لا شك أن القانون الدولي يضع تعريفات وقواعد مختلفة لاستخدام القوة، وأن للدول مسؤوليات والتزامات لا تقع على الأفراد والجماعات بالطريقة نفسها. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول القوة السياسية والعسكرية إلى وسيلة لفرض إرادة دولة على الآخرين، وعندما يصبح معيار إدانة العنف مرتبطاً بهوية من يمارسه، لا بطبيعة الفعل ونتائجه على الإنسان والمجتمع.
في عالم اليوم، تمتلك الدول الكبرى قدرة هائلة على التأثير في تعريف المصطلحات السياسية. فالإرهابي، في كثير من الأحيان، هو من تقرر دولة قوية أنه إرهابي، بينما قد تتحول أفعال مشابهة، إذا صدرت عن دولة حليفة أو قوة كبرى، إلى «عملية عسكرية»، أو «إجراء أمني»، أو «دفاع عن المصالح». وهنا تكمن واحدة من أخطر أزمات النظام الدولي: ازدواجية المعايير.
نحن بحاجة إلى معيار واحد واضح: المدني الذي يُستهدف أو يُرعب أو يُهجّر أو تُدمّر حياته لا يسأل عن هوية من أطلق الصاروخ أو الطائرة أو الطائرة المسيّرة. بالنسبة إليه، النتيجة واحدة. الخوف واحد، والدمار واحد، وفقدان الأحبة واحد. ولذلك فإن الإنسانية يجب أن تكون نقطة الانطلاق في الحكم على الأفعال، وليس قوة الفاعل أو موقعه السياسي.
ومن هذا المنطلق، فإن ما تتعرض له المملكة العربية السعودية من هجمات إرهابية أمر يستحق الإدانة الواضحة والصريحة. فالهجمات التي تستهدف المدن والمنشآت والمدنيين لا يمكن تبريرها تحت أي شعار سياسي. كما أن جماعة الحوثي ما كان لها أن تمتلك هذا المستوى من القدرات العسكرية والصاروخية والطائرات المسيّرة والتدريب والخبرة القتالية من دون دعم خارجي كبير، وهو ما يجعل مسؤولية المجتمع الدولي أكبر في التعامل مع مصادر تمويل وتسليح الجماعات التي تهدد أمن المنطقة واستقرارها.
والأخطر من ذلك أن الخطاب الحوثي لم يعد يقف عند حدود الصراع السياسي أو العسكري، بل وصل إلى تهديد مقدسات المسلمين، والتطاول على مكة المكرمة والمدينة المنورة. وهنا يصبح الأمر أكبر من خلاف سياسي أو نزاع إقليمي؛ لأن استهداف الأماكن المقدسة أو تهديد أمنها يمثل تجاوزاً بالغ الخطورة لكل الحدود التي يفترض أن تحكم الصراعات.
لكن السؤال الأكبر ليس فقط: من المسؤول عن هذا الهجوم أو ذاك؟ السؤال الحقيقي هو: إلى أين يتجه العالم إذا استمر هذا المسار؟
لقد مر العالم في مراحل سابقة بلحظات كان فيها الصراع بين القوى الكبرى قابلاً للتحول إلى كارثة شاملة. وفي أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، وصل التوتر بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي إلى مستوى جعل العالم يعيش أياماً عصيبة وهو يترقب احتمال اندلاع مواجهة نووية. وفي نهاية المطاف، أدرك الطرفان أن الانتصار في حرب نووية ليس انتصاراً حقيقياً، لأن الجميع سيكون خاسراً.
اليوم، قد لا تكون الصورة مطابقة لتلك الأزمة، لكنها تحمل بعض أوجه التشابه الخطيرة. أسلحة أكثر تطوراً، صواريخ بعيدة المدى، طائرات مسيّرة، حرب إلكترونية، أسلحة دقيقة، وقدرات متقدمة في الذكاء الاصطناعي. والأخطر أن هذه الأدوات أصبحت جزءاً من التنافس بين الدول، وليس من المستبعد أن تتحول التكنولوجيا التي يفترض أن تخدم الإنسان إلى وسيلة لإخضاعه أو استهدافه.
حتى الذكاء الاصطناعي، الذي يفترض أن يكون أحد أعظم أدوات التنمية في تاريخ البشرية، يمكن أن يتحول إلى ساحة جديدة للصراع بين الدول. فالدول تتنافس على التفوق التكنولوجي، وعلى امتلاك أدوات أكثر قدرة على المراقبة والتحليل والتنبؤ، وربما على تطوير أنظمة عسكرية أكثر استقلالاً في اتخاذ القرار. وإذا لم تواكب هذه التطورات قواعد دولية واضحة، فقد يجد العالم نفسه أمام سباق جديد، لا يقل خطورة عن سباق التسلح التقليدي.
المشكلة إذن ليست في وجود القوة، وإنما في غياب الضوابط التي تمنع تحويل القوة إلى وسيلة للهيمنة. العالم لا يستطيع أن يعيش طويلاً وفق قاعدة أن الأقوى يضع القواعد، ثم يطالب الآخرين باحترامها. فهذه المعادلة تقتل الثقة في النظام الدولي، وتشجع الدول والجماعات على البحث عن القوة الخاصة بها، وتفتح الباب أمام مزيد من الفوضى.
ولهذا، فإن الأمم المتحدة بحاجة إلى استعادة دورها الحقيقي. وإذا كانت آليات النظام الدولي الحالي عاجزة عن التعامل مع الأزمات الجديدة، فيجب إصلاحها وتطويرها، أو إنشاء مؤسسات دولية أكثر قدرة على منع الحروب وحماية المدنيين ومحاسبة من يتجاوز القانون. المهم ألا يقبل العالم بفكرة أن القوة العسكرية هي الوسيلة الوحيدة لحسم الخلافات.
نحن لا نحتاج إلى أن نحب بعضنا البعض حتى نعيش معاً. هذه ربما أبسط قاعدة يمكن أن ينطلق منها العالم. الدول ليست مطالبة بأن تتفق في مصالحها أو أن تتبنى النظام السياسي نفسه أو أن تتخلى عن تنافسها. لكنها مطالبة بأن تدرك أن وجود الاختلاف لا يعني بالضرورة وجود الحرب.
يمكن للأميركي والروسي أن يختلفا، والصيني والأوروبي أن يختلفا، وأن تتنافس الدول على الاقتصاد والنفوذ والأسواق والتكنولوجيا. لكن يجب أن توجد خطوط حمراء تحمي الإنسان من أن يصبح وقوداً لهذا التنافس.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للعالم ليس أن يختلف الناس، بل أن يفقدوا القدرة على إدارة اختلافاتهم. وعندما تصبح لغة القوة هي اللغة الوحيدة، فإن الإرهاب، سواء مارسه فرد أو جماعة أو دولة، يصبح جزءاً من منظومة واحدة عنوانها غياب القانون وتراجع المسؤولية.
لقد حان الوقت لأن يعود العالم إلى رشده. لا نحتاج إلى عالم متطابق، بل إلى عالم قادر على التعايش. ولا نحتاج إلى إلغاء الخلافات، بل إلى منعها من التحول إلى حروب. فالبشرية التي وصلت إلى القمر، وطورت الذكاء الاصطناعي، واكتشفت لقاحات وأنشأت اقتصاداً عالمياً مترابطاً، قادرة أيضاً على ابتكار نظام يمنعها من تدمير نفسها.
القوة الحقيقية ليست في القدرة على تدمير الآخر، وإنما في القدرة على منع الدمار. والانتصار الحقيقي ليس أن يفرض طرف إرادته على الآخرين، بل أن ينجح الجميع في الوصول إلى عالم يستطيعون فيه الاختلاف من دون قتل، والتنافس من دون حرب، والعيش معاً حتى عندما لا يحب بعضهم بعضاً.
