هناك لحظات في التاريخ السياسي تكشف أن مرحلة كاملة تقترب من نهايتها. هذه اللحظات لا تحتاج إلى إعلان رسمي، إذ تكفي قراءة ما يجري في أكثر من ساحة حتى تظهر الصورة وتتكشف ملامح التحول، وأعتقد أن المنطقة تعيش اليوم واحدة من هذه اللحظات.
فإيران التي بنت خلال عقود شبكة واسعة من النفوذ في عدد من الدول العربية، تواجه واقعاً مختلفاً عن ذلك الذي اعتادت عليه. لقد اندثر حضورها في سوريا، كما أنها تترنح في لبنان بعد الضربات القاصمة التي تعرض لها حزب الله، وفي العراق أيضا، بينما نرى الخريف قد أتى على ورقة الحوثيين في اليمن.
هذه التطورات ليست منفصلة بعضها عن بعض، فهي تعكس تراجعاً في قدرة إيران على استخدام أذرعها الإقليمية بالطريقة التي كانت تفعلها في السابق، وتطرح في الوقت نفسه سؤالاً يتجاوز حدود النفوذ الإيراني نفسه: هل بدأت الدول الوطنية تستعيد موقعها أمام الجماعات المسلحة التي فرضت حضورها لسنوات؟
من هنا يمكن فهم محاولة تحريك الدور الحوثي باعتبارها سعياً إيرانياً للحفاظ على ورقة إقليمية ما زالت قادرة على التأثير. لكن هذه الورقة تدخل اليوم ساحة مختلفة، لأن اليمنيين أنفسهم أصبحوا أكثر استعداداً لمواجهة الواقع الذي فُرض عليهم.
الواقع اليوم في اليمن يبدو مختلفًا عما كان عليه في السابق؛ فالشعب اليمني عاش سنوات من الحرب والانقسام والفقر، ودفع كلفة صراع لم يختره. واليوم تواجه جماعة الحوثي مقاومة من الجيش الوطني والقوى الوطنية والقبائل وقطاعات من الشعب اليمني، وهذه المواجهة تتعلق بمستقبل الدولة ومن يملك قرارها.
لقد تحمل اليمنيون الكثير؛ ولذلك أعتقد أنهم قادرون على استعادة دولتهم وإعادة الحوثيين إلى حجمهم الطبيعي كطرف سياسي، لا قوة مسلحة تفرض قرارها على بلد كامل. إن ما يحدث في اليمن يرتبط بما جرى ويجري في لبنان والعراق. ففي الدول الثلاث يبرز سؤال واحد: من يملك القرار الوطني؟
ففي لبنان، لو كان سلاح حزب الله منذ البداية تحت سلطة الجيش اللبناني، ولو بقي قرار الحرب والسلم في يد الدولة، لكان الجنوب اللبناني تجنب كثيراً من الكلفة التي دفعها، ولكان لبنان أقل عرضة لتحول أرضه إلى ساحة لصراعات إقليمية. فالدولة لا تستطيع أن تحمي قرارها عندما توجد قوة مسلحة تملك قراراً مستقلاً.
وفي العراق، ظهرت المشكلة بصورة أخرى: هناك جماعات مسلحة بنت لنفسها دوراً يتجاوز الإطار الطبيعي للدولة، وتدخلت في صراعات إقليمية، وهاجمت دولاً عربية، بينما كان العراق نفسه يدفع ثمن ذلك. وعندما يُستخدم بلد عربي كمنصة لصراع لا يخدم مصالحه، فإن المواطن هو من يتحمل النتيجة.
إن الخلاف السياسي مشروع، أما أن يتحول الخلاف إلى سلاح خارج مؤسسات الدولة، فهذه مشكلة أخرى. فالدولة تحتاج إلى مرجعية واحدة في الأمن والدفاع والعلاقات الخارجية. وكلما تعددت مراكز القوة، ضعفت الدولة وارتفعت كلفة الانقسام.
وهنا تصبح التجربة الإيرانية خلال العقود الماضية جديرة بالتوقف، فقد بنت طهران نفوذها عبر جماعات مسلحة في دول عربية عدة، ومنحتها قدرة على الضغط على حكوماتها وعلى استخدام أراضيها في صراعات تتجاوز حدودها.
لكن هذا النموذج يواجه اليوم اختباراً حقيقياً وهو أن تكون جماعة مسلحة قادرة على تعطيل دولة أو فرض أمر واقع لم يعد كافياً لضمان استمرار نفوذها. فالمجتمعات التي دفعت ثمن هذه السياسات بدأت تسأل عن الكلفة، وعن جدوى استمرارها، وعن حق الدولة في أن تستعيد قرارها.
ولا تقاس القوة بعدد الصواريخ وحده، بل أيضاً بقدرة الدولة على حماية شعبها، وبقدرة الحكومة على اتخاذ قرارها، وبشعور المواطن أن مستقبله لا تحدده جماعة مسلحة أو حسابات خارجية. ولهذا أرى أن اليمن قد يكون أمام فرصة مختلفة إذا استطاع اليمنيون استعادة مؤسسات الدولة، فإن الرسالة ستتجاوز حدود اليمن لتصل إلى المنطقة كلها بأن استعادة الدولة ممكنة، وأن الشعوب ليست مضطرة إلى قبول واقع مفروض إلى الأبد.
كما أن استعادة الدولة لا تعني إقصاء أي مكوّن اجتماعي أو إلغاء حقه في التعبير السياسي، فالمطلوب هو نقل الخلاف من ساحات القتال إلى المؤسسات، ومن منطق الغلبة إلى منطق القانون. فاليمن يحتاج إلى مصالحة واسعة، وإلى إدارة عادلة للموارد، وإلى جيش وطني يجمع أبناءه ولا يتحول إلى أداة بيد فئة واحدة. وكل مشروع لإعادة البناء سيبقى ناقصاً ما لم يشعر المواطن بالأمن والعدالة وفرصة العمل. وعندها فقط يصبح السلام أكثر من هدنة مؤقتة، ويصبح بداية لعقد وطني جديد يحمي البلاد من عودة الصراع.
كما أن نجاح هذا المسار يتطلب دعماً إقليمياً مسؤولاً، لا تمويلاً جديداً للانقسام. فالدول المجاورة تستطيع مساعدة اليمن عبر دعم الاقتصاد، وفتح قنوات التجارة، وتمويل التعليم والصحة، وتشجيع الحوار بين القوى السياسية. أما استمرار تحويل اليمن إلى ساحة رسائل متبادلة فلن يؤدي إلا إلى إطالة معاناة الناس.
إن بناء الثقة يبدأ بخطوات عملية: وقف التحريض، وحماية المدنيين، وإطلاق المعتقلين، وتوحيد المؤسسات المالية والأمنية. وكل خطوة في هذا الاتجاه تمنح اليمنيين فرصة لاستعادة حياتهم الطبيعية، وتثبت أن الحل الوطني، مهما كان صعباً، يظل أقل كلفة من الارتهان للخارج.
أتذكر وأنا طفل أنني رأيت مزارعاً يذبح دجاجة. وبعد ذبحها أخذت تتحرك، فظننت أنها ترقص من الفرح. لم أفهم وقتها أن تلك الحركة لم تكن فرحاً، بل كانت حلاوة الموت وحركته الأخيرة. تحضرني هذه الصورة وأنا أتابع بعض التحركات الإيرانية اليوم. فقد يبدو أن هناك قدرة على الحركة والمناورة، لكن الحركة لا تعني بالضرورة القوة، والضجيج لا يعني القدرة على تغيير النتائج.
إذن في سوريا تغيرت المعادلة، وفي لبنان يزداد سؤال الدولة والسلاح إلحاحاً، وفي العراق تتقدم قضية القرار الوطني. وفي اليمن توجد مقاومة تريد استعادة الدولة. وهذه الأحداث تعتبر مؤشرات على أن مرحلة استخدام الجماعات المسلحة لتوسيع النفوذ الخارجي تواجه حدوداً جديدة. إن هذه الصراعات قد لا تنتهي سريعاً؛ لكن السؤال أصبح واضحاً: هل تكون الدولة صاحبة القرار أم تظل الجماعة المسلحة قادرة على فرضه؟
الأمل الجديد في منطقتنا ليس في انتصار طرف على آخر، لكنه في أن تعود الدولة إلى مكانها الطبيعي، وأن يكون السلاح تحت سلطتها، وأن يصبح مستقبل اليمن لليمنيين، والعراق للعراقيين، ولبنان للبنانيين.
ربما تكون هذه هي الورقة التي لم تحسب إيران حسابها: إرادة الشعوب في استعادة دولها.
