القوي والأقوى

يصعب على المتابع لما يجري في الخليج أن يتجاهل مفارقة واضحة. ففي الوقت الذي تحاول فيه دول الخليج بناء اقتصاداتها، وتنويع مصادر دخلها، وتطوير التعليم والصحة والبنية التحتية، وفتح أبوابها أمام الاستثمار والسياحة والتكنولوجيا، ما زالت إيران تتعامل مع محيطها بمنطق أمني يقوم على النفوذ والردع والتهديد. وفي الأسابيع الأخيرة عاد هذا التناقض إلى الواجهة مع تصاعد التوترات والهجمات التي طالت دولاً خليجية ومنشآت حيوية ومسارات الطاقة.

وهنا يبرز سؤال لا يحتاج إلى كثير من التعقيد: لماذا لا تنظر إيران إلى الخليج باعتباره فرصة للتعاون، بدلاً من اعتباره مساحة يجب إخضاعها أو الضغط عليها؟

وللإجابة عن هذا السؤال، سأضع فرضية أكثر صراحة: لنتعامل مع السياسة الإيرانية تجاه الخليج على أساس أنها لا تريد لجيرانها أن يمتلكوا قوة مستقلة، وأن السيطرة على مصادر النفوذ والثروة في المنطقة تمثل جزءاً من حساباتها. وهذه الفرضية لا تعني أن كل ما تفعله إيران يُختزل في الرغبة بالاستيلاء على النفط والغاز، فالدولة تتحرك وفق خليط من الحسابات الأمنية والسياسية والأيديولوجية والاقتصادية، لكن هذه الفرضية تساعد في فهم سؤال أوسع يتعلق بسب استمرار بناء النفوذ الإيراني حول دول الخليج بدلاً من بناء منظومة تعاون معها.

إن المشهد الخليجي اليوم ليس مشهد دول تعتمد فقط على عائدات النفط وتنتظر ارتفاع الأسعار، بل هناك استثمارات واسعة في الصناعة والسياحة والخدمات والتكنولوجيا والطاقة المتجددة والبنية الرقمية. وقد أشار البنك الدولي إلى استمرار نمو القطاعات غير النفطية في دول مجلس التعاون، وإلى أن سياسات التنويع الاقتصادي والإصلاحات الهيكلية أصبحت جزءاً أساسياً من المسار الاقتصادي للمنطقة.

والأهم أن هذا التحول لا يقتصر على الصعيد الاقتصادي فحسب، بل هناك اهتمام متزايد ببناء الإنسان نفسه، من خلال التعليم والصحة والتدريب وسوق العمل والخدمات التي ترفع مستوى الحياة؛ وهنا يبرز السؤال الذي أجد صعوبة في تجاوزه: ماذا تستفيد إيران من إضعاف هذه الدول؟

إذا كانت الدولة الخليجية مستقرة وقادرة على الاستثمار، فإن استقرارها لا يهدد بالضرورة جيرانها، بل على العكس؛ يمكن أن يتحول إلى مصدر للفرص بالنسبة لهم؛ فالاقتصاد القوي يخلق أسواقاً، والاستثمار يولد وظائف، والموانئ والمطارات وشبكات النقل والطاقة تعود بالنفع على المنطقة كلها.

إن القوة الاقتصادية ليست مشكلة في حد ذاتها، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول القوة إلى تهديد. ومن هذه الزاوية، يبدو أن إيران اختارت خلال سنوات طويلة أدوات مختلفة لبناء مجال نفوذها الإقليمي؛ إذ لم تعتمد على العلاقات الدبلوماسية وحدها، بل بنت أيضاً شبكة من القوى والجماعات المسلحة والحلفاء في عدد من دول المنطقة، وهي سياسة جعلت أمن الدول المجاورة مرتبطاً بشكل مباشر بحسابات طهران العسكرية والسياسية.

وليس من الضروري أن تكون الجماعات التي تستفيد من الدعم الإيراني متطابقة فكرياً مع إيران حتى تدخل في هذا الحساب؛ فحركة حماس، على سبيل المثال، تنتمي إلى بيئة فكرية سنية مختلفة عن البيئة العقائدية للنظام الإيراني، ومع ذلك أقامت طهران علاقات ودعماً للحركة ضمن سياستها الإقليمية الأوسع. ومن هنا يمكن فهم الدعم الإيراني لبعض القوى بوصفه أداة نفوذ تتجاوز مسألة التطابق العقائدي.

وهذه النقطة مهمة لأنها تكشف أن السياسة لا تتحرك دائماً وفق مبدأ “نحن متشابهون”، إذ أحياناً يكون المعيار ببساطة “نحن نخدم الهدف نفسه”، والهدف هنا قد يكون الضغط على خصم، أو فتح جبهة جديدة، أو رفع كلفة المواجهة، أو التأثير في توازن إقليمي.

لكن ماذا يحدث عندما تنتقل هذه السياسة إلى الدول الخليجية نفسها؟

وهنا نحن نتحدث عن أمن مدن ومنشآت ومطارات وموانئ وشبكات طاقة وممرات تجارية يعيش عليها ملايين البشر. وقد شهد عام 2026 تصعيداً امتد إلى منشآت ومصالح خليجية، فيما تعرضت السعودية لهجمات من الحوثيين المتحالفين مع إيران، وشهدت المنطقة اضطرابات أثرت في حركة الطاقة والنقل وأسعار النفط.

وحين تصل الأمور إلى هذا المستوى، يصبح السؤال مختلفاً: هل تريد إيران فعلاً بناء نظام أمني إقليمي، أم تريد أن يكون أمن الآخرين جزءاً من أمنها هي؟ وهناك فرق كبير بين الاثنين؛ فالدولة التي تريد بناء نظام إقليمي مستقر تحتاج إلى أن تطمئن جيرانها، وتحترم سيادتهم وتؤكد لهم أن نجاحهم لن يتحول إلى هدف لاستهدافها. أما الدولة التي تستخدم الأذرع المسلحة والتهديدات العابرة للحدود، فإنها ترسل رسالة معاكسة تماماً؛ وهي أن ازدهار الجيران قد يكون مقبولاً فقط ما دام لا يخرج عن حدود النفوذ الذي تسمح به.

وقد تكون هذه هي نقطة الخلاف الأساسية بين النموذجين الخليجي والإيراني؛ فالخليج، رغم اختلاف سياسات دوله، يتجه بصورة عامة إلى التنمية والانفتاح الاقتصادي وبناء الشراكات. وفي المقابل، استثمرت إيران جزءاً كبيراً من أدوات قوتها في بناء النفوذ الأمني والعسكري خارج حدودها.

ولا يعني ذلك أن دول الخليج بلا أخطاء، ولا أن سياساتها موحدة، ولا أن الغرب يتحرك في المنطقة بدوافع إنسانية فقط؛ فالولايات المتحدة نفسها تنظر إلى الخليج من زاوية مصالحها الأمنية والاقتصادية، ووجودها العسكري يرتبط بحسابات الطاقة والممرات التجارية والتوازن مع إيران وقوى أخرى. لكن هذا لا يغير جوهر المسألة، فحتى إذا كان الجوار الدولي محكوماً بالمصالح، فإن الدول تستطيع الاختيار بين تحويل مصالحها إلى تعاون أو تحويلها إلى صراع.

وهنا أجد نفسي أمام فكرة تبدو بسيطة، لكنها قد تكون منطقية أكثر من كثير من الحسابات الجيوسياسية، وهي: إذا كان جارك قوياً، فإن مصلحتك ليست بالضرورة في إضعافه، بل قد تكون في أن يصبح أقوى؛ فالدولة المستقرة تستطيع أن تشتري منك، وتستثمر لديك، وتفتح أسواقها أمامك، وتشاركك في مشروعات البنية التحتية والطاقة والنقل والتجارة. أما الدولة الفاشلة فهي لا تنتج سوى الأزمات والهجرة والجريمة والاقتصاد المنهك والتوتر الأمني.

وهذا ينطبق على الخليج وعلى المنطقة بأكملها؛ فإضعاف الدول لا يصنع قوة إقليمية مستدامة، وقد يمنح نفوذاً مؤقتاً، لكنه يخلق حولك بيئة من الخوف وعدم الثقة. ومع الوقت تتحول هذه البيئة إلى سباق تسلح، وتدخلات متبادلة، وتحالفات مضادة، ثم تصبح المنطقة كلها أسيرة دائرة يصعب الخروج منها.

لهذا لا أرى أن قوة الخليج يجب أن تكون مصدر قلق لإيران؛ فقوة الخليج يمكن أن تكون فرصة لإيران أيضاً، إذ يمكن لطهران أن تتاجر مع هذه الدول، وأن تستثمر في أسواقها، وتستفيد من موقعها، وتشارك في ترتيبات أمنية إقليمية، وأن تحقق مصالحها عبر السياسة والدبلوماسية بدلاً من الوكلاء والسلاح.

فالسؤال الحقيقي إذن ليس ما إذا كان الخليج سيبقى قوياً، فالخليج ذاهب إلى مزيد من القوة الاقتصادية، ومزيد من التنويع، ومزيد من الاستثمار في الإنسان، بل هو: ماذا ستفعل إيران أمام هذه الحقيقة؟ وهل ستعتبر ازدهار جيرانها تهديداً يجب احتواؤه، أم فرصة يمكن البناء عليها؟

إن القوة التي تحتاج إلى إضعاف الآخرين كي تشعر بالأمان ستظل قلقة مهما اتسعت ترسانتها، أما القوة التي تجد مصلحتها في ازدهار جيرانها، فهي التي تستطيع بناء أمن مستدام. وربما يكون هذا هو الفارق بين القوي والأقوى؛ فالقوي يستطيع أن يفرض الخوف فالقوي يفرض حضوره بالسلاح والنفوذ وإرهاب الخصوم، أما الأقوى هو الذي يستطيع أن يحوّل قوته إلى ضامنٍ لاستقرار جيرانه وركيزةٍ لازدهارهم.

بواسطة akmiknas

أضف تعليق