اعتدال الصيف ولهيب الحرب

في إجازتي هذا العام؛ انتقلت حتى الآن بين مدينتين تحمل كل منهما تاريخاً مختلفاً وذاكرة خاصة، وبين مشاهد الجمال والطمأنينة من جهة، ومخاوف العالم واضطراباته من جهة أخرى. بين بيروت التي أحبها وأعرف تفاصيلها، ولندن التي تعكس دائماً نبض العالم وتناقضاته، وجدت نفسي أراقب كيف تدخل الأحداث الكبرى في حياة الناس، حتى أولئك الذين يظنون أنهم بعيدون عنها.

كانت إجازتي هذا العام من بيروت. وصلت إلى العاصمة اللبنانية ومكثت يومين، ثم ثلاثة أيام أخرى لإنجاز بعض المهام، لكن الأجمل كان الشعور الذي رافقني خلال تلك الأيام؛ شعور بأن لبنان الذي نعرفه بدأ يستعيد شيئاً من صورته التي افتقدناها. رأيت بيروت ترتدي حلة جميلة، والحياة تدب في شوارعها، والناس يحاولون أن يعيشوا يومهم بشكل طبيعي رغم كل الصعوبات التي مر بها البلد خلال السنوات الماضية.

حتى الطقس كان يحمل رسالة إيجابية؛ 27 درجة خلال النهار و22 درجة في الليل، أجواء مثالية تجعل الإنسان يستمتع بكل لحظة. بعد ذلك توجهت إلى فندق البستان، حيث أمضيت ثلاثة أيام بين أشجار الصنوبر والطبيعة الهادئة. هناك بدأت الإجازة الحقيقية؛ بعيداً عن زحام المدينة وضجيجها، وفي مكان يمنح الإنسان فرصة للراحة والتفكير واستعادة الطاقة.

الطريق من وإلى الفندق كان جميلاً جداً. المناظر الطبيعية، الجبال، الأشجار، والهواء النقي أعادت إليّ صورة لبنان الذي طالما أحببناه؛ لبنان الجمال والتنوع والضيافة. وخلال وجودي هناك، لم أشعر بأي خطر أو مشكلة، بل شعرت براحة كبيرة. أحياناً تكون الصورة التي تصل إلى العالم عن بلد ما مختلفة تماماً عن الواقع الذي يعيشه الناس والزوار على الأرض.

بعد بيروت، انتقلت إلى لندن، حيث زرت أختي بارعة في ريف لندن المعروف بجماله وطبيعته الخلابة. وكما هو الحال دائماً، هناك فرق كبير بين صخب العاصمة وهدوء الريف. في الريف تشعر بالمساحات المفتوحة والسكينة، بينما تحمل لندن إيقاعها السريع؛ مدينة لا تنام، لكنها في الوقت نفسه تعكس نبض العالم وهمومه.

في لندن، لمست شعوراً واضحاً بالتعب من ارتفاع تكاليف الحياة. الحديث عن الغلاء أصبح حاضراً في كل مكان؛ من أسعار الوقود إلى فواتير الكهرباء والطاقة، مروراً بتكاليف المعيشة اليومية. كثيرون يشعرون بأن الضغوط الاقتصادية أصبحت أكبر، وأن العائلات باتت تفكر أكثر من مرة قبل الإنفاق أو السفر أو القيام بأي نشاط غير ضروري.

الأمر لم يتوقف عند الاقتصاد الداخلي، بل شعرت أيضاً بأن التوترات الإقليمية والحرب الدائرة في منطقة الخليج تركت آثارها على المزاج العام في بريطانيا. قد تبدو هذه الصراعات بعيدة جغرافياً، لكنها في عالم مترابط أصبحت تؤثر على الأسواق والطاقة والأسعار، بل وحتى على نفسية الناس وشعورهم تجاه المستقبل.

خلال وجودي هناك، علمت أن كثيراً من الناس لم يسافروا هذا العام كما اعتادوا في السابق. السبب لم يكن غياب الرغبة في السفر، بل ارتفاع الكلفة بشكل كبير. السفر الذي كان جزءاً من نمط حياة كثير من العائلات أصبح اليوم قراراً يحتاج إلى تخطيط وحسابات دقيقة، خصوصاً مع ارتفاع أسعار التذاكر والفنادق والمصاريف اليومية.

وشعرت بالأمر نفسه في لبنان. بيروت عادة تكون في الصيف مدينة مزدحمة بالحياة، خصوصاً مع عودة المغتربين اللبنانيين الذين يشكلون جزءاً مهماً من الحركة الاقتصادية والسياحية. لكن هذا العام بدا المشهد أقل ازدحاماً مما اعتدنا عليه. وربما لم يكن السبب المخاوف الأمنية فقط، بل أيضاً ارتفاع تكاليف السفر والإقامة والمصاريف، إضافة إلى حالة القلق التي يعيشها العالم بأسره.

هنا في لندن، شعرت بأن الناس يتابعون ما يجري في الخليج بقلق حقيقي، ليس فقط من زاوية السياسة، بل من زاوية الحياة اليومية. الجميع يدرك أن أي تصعيد كبير قد يؤدي إلى اضطرابات في إمدادات الطاقة، وارتفاع جديد في الأسعار، وضغوط إضافية على الاقتصادات التي تعاني أصلاً من تحديات كبيرة. العالم اليوم مترابط أكثر من أي وقت مضى، وأمن منطقة صغيرة جغرافياً يمكن أن يؤثر على استقرار الأسواق في قارات بعيدة.

وخلال عشاء جمعني بأصدقاء ومعارف من الإنكليز والعرب، كان الحديث يدور حول المستقبل. كان هناك شعور مشترك بأن الحرب العبثية بين الولايات المتحدة وإيران، وما نتج عنها من تداعيات، خلقت حالة من القلق وعدم اليقين. الجميع يتساءل: إلى أين ستصل الأمور؟ ومتى يستطيع العالم أن يستعيد قدراً أكبر من الاستقرار؟

في الواقع الحرب في الخليج اليوم ليست مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف محددة، بل أصبحت حدثاً عالمياً له تداعيات تتجاوز حدود المنطقة. فالخليج ليس منطقة عادية في حسابات الاقتصاد العالمي؛ فهو قلب أسواق الطاقة، وشريان أساسي للتجارة الدولية، وأي اضطراب فيه ينعكس سريعاً على أسعار النفط، وكلفة النقل، والتضخم في مختلف دول العالم.

ما يثير القلق أن العالم لم يخرج بعد من آثار أزمات كبرى متتالية؛ من جائحة كورونا إلى الحرب في أوكرانيا، وصولاً إلى التوترات الحالية في الشرق الأوسط. وفي كل مرة يدفع المواطن العادي جزءاً من الثمن، سواء من خلال ارتفاع أسعار الطاقة أو زيادة كلفة السلع والخدمات. الحرب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها تنتهي غالباً بتأثيرات اقتصادية واجتماعية تصل إلى ملايين الأشخاص الذين لا علاقة لهم بصناعة القرار.

ما خرجت به من هذه الرحلة أن الناس، رغم اختلاف أماكنهم وثقافاتهم، يعيشون الهواجس نفسها. المواطن في لندن يقلق من فاتورة الكهرباء وأسعار الوقود، والمواطن في بيروت يقلق من الغلاء وتأثير الأوضاع الإقليمية، والجميع يريد حياة طبيعية ومستقرة بعيداً عن صراعات لا يملكون قرارها.

بين بيروت ولندن، رأيت وجهين للعالم. رأيت وجه الجمال والحياة والطبيعة واللقاءات الإنسانية، ورأيت في الوقت نفسه الوجه الآخر الذي تصنعه الحروب والأزمات. لكنني رأيت أيضاً قدرة الإنسان على التكيف، وعلى صناعة لحظات الفرح رغم الظروف الصعبة.

سأكمل رحلتي إلى إيطاليا وفرنسا، وربما أشارككم المزيد من المشاهد والانطباعات من هناك.

بواسطة akmiknas

أضف تعليق