لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي يربط الخليج العربي بالعالم، بل أصبح أحد أهم الاختبارات لقدرة المجتمع الدولي على حماية النظام الدولي القائم على احترام القانون، وصون حرية الملاحة، وضمان استقرار التجارة العالمية. وما تشهده المنطقة من اعتداءات إيرانية متكررة على السفن والمنشآت المدنية يطرح سؤالًا مشروعًا: إلى متى سيبقى المجتمع الدولي يكتفي بالإدانة، بينما تتعرض واحدة من أهم شرايين الاقتصاد العالمي لتهديدات مستمرة؟
تكمن أهمية مضيق هرمز في أنه ليس ممرًا إقليميًا فحسب، بل نقطة ارتكاز أساسية للاقتصاد العالمي. فجزء كبير من صادرات النفط والغاز الطبيعي المسال يمر عبر هذا المضيق يوميًا، وتعتمد عليه أسواق الطاقة في آسيا وأوروبا ومناطق أخرى من العالم. ولهذا، فإن أي تهديد لحركة الملاحة فيه لا ينعكس فقط على الدول المطلة على الخليج، وإنما يمتد أثره إلى أسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد، وحركة التجارة العالمية، وثقة المستثمرين، واستقرار الأسواق المالية.
إن أي اعتداء يستهدف السفن التجارية أو المنشآت الحيوية أو يهدد سلامة الممرات البحرية لا يمثل مشكلة تخص دول الخليج وحدها، بل يطال الاقتصاد العالمي بأسره. فالاقتصاد الحديث يقوم على الترابط، وأي اضطراب في أحد الممرات البحرية الحيوية ينعكس بصورة مباشرة على حركة التجارة والنقل والتأمين البحري، ويزيد من تكاليف الشحن، وهو ما ينعكس في نهاية المطاف على المستهلكين والاقتصادات في مختلف أنحاء العالم.
ولذلك، فإن حماية الملاحة الدولية لم تعد خيارًا سياسيًا، وإنما مسؤولية جماعية تفرضها قواعد القانون الدولي، وتستلزم تحركًا دوليًا أكثر فاعلية لضمان أمن السفن وحرية العبور في هذا الممر الحيوي. فاستمرار الاعتداءات دون ردع حقيقي يشجع على مزيد من التصعيد، ويبعث برسائل خاطئة إلى كل من يعتقد أن بالإمكان فرض الأمر الواقع بالقوة، أو استخدام الممرات البحرية كورقة ضغط لتحقيق أهداف سياسية.
ولا يقتصر الأمر على الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى البعد القانوني والأخلاقي. فاستهداف الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية، وتهديد أمن المواطنين والمقيمين وسلامة السفن، يمثل انتهاكًا صارخًا لسيادة الدول، ومخالفة واضحة للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلًا عن مخالفته لقرار مجلس الأمن رقم (2817) لسنة 2026، وما تضمنته مذكرة تفاهم إسلام آباد من تعهدات كان يفترض أن تسهم في خفض التوتر وتعزيز الاستقرار الإقليمي، لا أن تتحول إلى التزامات منقوضة بفعل الممارسات العدائية المستمرة.
إن احترام القانون الدولي لا يكون بالانتقائية، ولا يجوز أن يخضع لموازين المصالح أو الحسابات السياسية الضيقة. فحين تُترك الاعتداءات المتكررة دون مساءلة، فإن ذلك يضعف ثقة الدول في المنظومة القانونية الدولية، ويشجع على تكرار الانتهاكات، ويقوض المبادئ التي قام عليها النظام الدولي بعد عقود طويلة من العمل المشترك لترسيخ الأمن والاستقرار.
ومن هنا، فإن مسؤولية المجتمع الدولي اليوم لا تقتصر على إصدار بيانات الإدانة، بل تمتد إلى اتخاذ خطوات عملية تكفل حماية الممرات البحرية الحيوية، والحفاظ على النظام الدولي القائم على احترام السيادة، ورفض استخدام القوة أو التهديد بها ضد الدول أو مصالحها المدنية. فالقانون الدولي يفقد جزءًا من هيبته عندما تُترك الانتهاكات المتكررة دون إجراءات رادعة تضمن عدم تكرارها، وتؤكد أن حرية الملاحة حق مكفول لا يجوز المساس به.
ولعل ما يزيد من خطورة هذه الاعتداءات أنها تستهدف واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم من الناحية الاقتصادية والاستراتيجية. فالاستقرار في الخليج ليس مصلحة إقليمية فقط، بل مصلحة عالمية مشتركة، لأن أي اضطراب فيه ينعكس على الأسواق الدولية، ويؤثر في خطط الاستثمار، ويزيد من حالة عدم اليقين التي تسعى الاقتصادات العالمية إلى تجنبها، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية التي يشهدها العالم.
لقد أكدت مملكة البحرين، من خلال بيان مجلس الوزراء، موقفًا ثابتًا يقوم على التمسك بالقانون الدولي، والدفاع عن الأمن والاستقرار، مع التأكيد على أن هذه الاعتداءات لن تنال من عزيمة المملكة ولا من تماسك شعبها. ويعكس هذا الموقف ثقة الدولة بمؤسساتها، وإيمانها بأن حماية السيادة الوطنية حق أصيل تكفله القوانين والأعراف الدولية، وأن الحفاظ على أمن المواطنين والمقيمين وسلامة أراضيها واجب لا يقبل التهاون.
كما يؤكد هذا الموقف أن البحرين، وهي دولة تؤمن بالحوار واحترام القانون، ترفض في الوقت ذاته أي محاولات لفرض واقع جديد بالقوة أو تهديد أمن المنطقة. فالدول التي تحترم القانون الدولي من حقها أن تطالب المجتمع الدولي بالقيام بمسؤولياته، وأن تتخذ، وفقًا للقانون الدولي، ما يلزم من إجراءات للدفاع عن سيادتها وأمنها وسلامة أراضيها.
وفي الوقت ذاته، فإن تضامن البحرين الكامل مع الدول الشقيقة في كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسيادتها يعبر عن إدراك مشترك بأن أمن الخليج منظومة واحدة لا تتجزأ، وأن أي تهديد يستهدف دولة في المنطقة ستكون له انعكاسات على الجميع. ولذلك، فإن تعزيز التنسيق الخليجي، إلى جانب الدعم الدولي، يمثلان ركيزتين أساسيتين لضمان أمن الممرات البحرية واستقرار المنطقة، والحفاظ على حرية التجارة التي يعتمد عليها العالم.
لقد أثبتت التجارب أن التجارة لا تزدهر إلا في بيئة يسودها الأمن، وأن الاستثمار لا ينمو في ظل التهديدات المستمرة، وأن احترام القانون الدولي ليس مطلبًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة اقتصادية واستراتيجية للعالم بأسره. فالممرات البحرية الآمنة ليست خدمة تقدمها دولة لدولة أخرى، وإنما ركيزة أساسية للنظام الاقتصادي العالمي، وأي مساس بها يهدد مصالح الجميع دون استثناء.
ومن هنا، فإن الرسالة التي ينبغي أن يبعث بها المجتمع الدولي اليوم يجب أن تكون واضحة وحاسمة: لا يمكن القبول باستمرار الاعتداءات على السفن والمنشآت المدنية، ولا يجوز السماح بتحويل أحد أهم الممرات البحرية في العالم إلى ساحة للابتزاز أو التصعيد. فاستقرار مضيق هرمز هو استقرار للاقتصاد العالمي، وحماية الملاحة فيه مسؤولية جماعية تتطلب موقفًا موحدًا وإجراءات عملية تعيد الاعتبار للقانون الدولي، وتحافظ على أمن المنطقة، وتؤكد أن احترام سيادة الدول وحرية الملاحة مبادئ لا تقبل المساومة أو الانتقاص.
