أعادت الحرب الأخيرة بين إسرائيل وإيران، وما رافقها من تدخل أمريكي، طرح أسئلة قديمة حول طبيعة الصراعات في الشرق الأوسط: هل هي حروب مصالح، أم صراعات عقائد، أم مزيج معقد من الاثنين؟ فالمشهد الإقليمي يكشف أن لكل طرف أهدافًا معلنة يسوقها للرأي العام، وأخرى غير معلنة ترتبط بحسابات النفوذ، والأمن، وإعادة رسم موازين القوى.
من وجهة النظر الإسرائيلية، يمثل المشروع النووي الإيراني التهديد الأكبر لأمنها القومي، ولذلك تنظر إلى أي تقدم إيراني في هذا المجال باعتباره خطرًا وجوديًا يستوجب المواجهة. ويرى كثيرون أن إسرائيل كانت صاحبة المصلحة الأولى في توسيع نطاق المواجهة، وسعت إلى دفع الولايات المتحدة نحو الانخراط المباشر فيها، مستندة إلى التحالف الاستراتيجي العميق بين البلدين. أما الولايات المتحدة، فهي بدورها تتحرك وفق شبكة واسعة من المصالح العسكرية والاقتصادية والسياسية، بما يجعل قراراتها مرتبطة بحسابات تتجاوز حدود الصراع الإيراني الإسرائيلي وحده.
وفي المقابل، لا يزال تاريخ الثورة الإيرانية عام 1979 محل نقاش واسع بين الباحثين والمحللين. فهناك من يطرح فرضيات تتحدث عن أدوار غربية غير مباشرة في الظروف التي سبقت الثورة، بينما يرى آخرون أن الثورة كانت نتاجًا لعوامل داخلية بالدرجة الأولى، من بينها الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية في إيران آنذاك. وبغض النظر عن اختلاف التفسيرات، فإن النتيجة كانت ولادة نظام جديد غيّر موازين القوى في المنطقة، وأصبح أحد أبرز الفاعلين في ملفات الشرق الأوسط.
ومنذ عقود، تعتمد القوى الكبرى سياسات تهدف إلى منع تشكل قوة إقليمية مهيمنة، وهو ما يُختصر أحيانًا بمبدأ “فرّق تسد”، الذي ارتبط تاريخيًا بالإمبراطورية البريطانية، ثم أصبح جزءًا من أدوات إدارة الصراعات لدى قوى مختلفة. وفي هذا السياق، يرى كثير من المحللين أن استمرار الانقسامات الطائفية والعرقية والسياسية في المنطقة يصب في مصلحة أطراف متعددة، لأنه يمنع قيام تكتلات قوية قادرة على فرض إرادتها أو حماية مصالحها بصورة مستقلة.
ولعل من أبرز ما كشفت عنه الحرب الأخيرة أن الشرق الأوسط لم يعد ساحة مواجهة بين دولتين أو محورين فقط، بل أصبح مسرحًا لتقاطع مشاريع دولية وإقليمية متعددة، لكل منها حساباته الخاصة. فالقوى الكبرى تنظر إلى المنطقة باعتبارها مركزًا للطاقة، وممرًا للتجارة العالمية، وموقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، بينما تنظر القوى الإقليمية إليها باعتبارها ساحة لإثبات النفوذ وتوسيع دوائر التأثير. وبين هذه المشاريع المتشابكة، تبقى شعوب المنطقة هي الطرف الذي يدفع الثمن الأكبر، سواء من خلال عدم الاستقرار أو تباطؤ التنمية أو استنزاف الموارد التي كان يمكن أن تُوجَّه نحو البناء والازدهار.
وإذا كان الغرب ينظر إلى الشرق الأوسط من زاوية المصالح الاستراتيجية، فإن الواقع الداخلي للمنطقة يكشف أن الدين والعقيدة ما زالا يشكلان المحرك الأساسي للشارع، بل وللقرارات السياسية في كثير من الأحيان. فبعكس مناطق أخرى من العالم، حيث تُدار الخلافات غالبًا بمنطق الاقتصاد أو السياسة، نجد أن الخطاب الديني والطائفي لا يزال يمتلك قدرة هائلة على تعبئة الجماهير وصناعة المواقف، وهو ما يجعل الصراعات أكثر تعقيدًا وأطول عمرًا.
ومن هنا يبرز سؤال جوهري: هل ينبغي للدين أن يكون جزءًا من إدارة الشأن السياسي؟ يرى كثيرون أن الدين يمثل منظومة قيم وأخلاق سامية، لكن تحويله إلى أداة لإدارة الصراعات أو المنافسات السياسية قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات بدلًا من معالجتها. وعندما تُقدَّم القرارات السياسية على أنها واجب ديني، يصبح النقاش العقلاني أكثر صعوبة، وتضيق مساحة الحوار والتسويات. ومع ذلك، يبدو أن حضور الدين في المجال العام يتزايد في أجزاء مختلفة من المنطقة، وليس في العالم الإسلامي وحده.
ولا يقتصر هذا المشهد على إيران، بل يشمل إسرائيل أيضًا، حيث أصبحت الهوية الدينية أكثر حضورًا في الخطاب السياسي خلال السنوات الأخيرة. فقد ازداد نفوذ الأحزاب الدينية داخل الحكومات الإسرائيلية، وأصبح الخطاب المرتبط بالنصوص الدينية حاضرًا في تبرير العديد من السياسات، بما في ذلك القضايا المتعلقة بالأرض والاستيطان والأمن. كما أن تصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كثيرًا ما تتضمن إشارات دينية، بما يعكس هذا التداخل المتزايد بين الدين والسياسة في إسرائيل.
وفي هذا السياق، تُستحضر أفكار بعض القادة الإسرائيليين الأوائل، ومنهم دافيد بن غوريون، الذي ارتبط اسمه في الأدبيات السياسية بنقاشات حول مستقبل المنطقة وأهمية وجود محيط عربي ضعيف أو منقسم لضمان التفوق الإسرائيلي. وبينما تختلف التفسيرات حول بعض الأقوال المنسوبة إليه، فإن الثابت أن مسألة تفتيت الخصوم أو إضعافهم ظلت جزءًا من النقاشات الاستراتيجية المتعلقة بأمن إسرائيل، كما يرى عدد من الباحثين في العلاقات الدولية.
لكن الصورة ليست قاتمة بالكامل. فقد أظهرت دول الخليج خلال السنوات الأخيرة مستوى متقدمًا من الوعي السياسي والاقتصادي، واتجهت إلى تنويع شراكاتها الدولية، وتقوية اقتصاداتها، والاستثمار في التكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية. كما سعت إلى تخفيف حدة التوترات الإقليمية عبر الحوار والدبلوماسية، إدراكًا منها أن الاستقرار هو الشرط الأساسي للتنمية والازدهار. وهذا الوعي المتنامي يعكس إدراكًا متزايدًا لتعقيدات البيئة الإقليمية، وضرورة التعامل معها بمنطق المصالح الوطنية بعيدًا عن الانجرار إلى صراعات مفتوحة.
وجاءت التطورات الأخيرة لتسلط الضوء من جديد على الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم الممرات البحرية في العالم. فجزء كبير من صادرات النفط والغاز العالمية يمر عبر هذا المضيق، وأي اضطراب في حركة الملاحة فيه ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة والأسواق الدولية. ولهذا السبب، لا يُنظر إلى أمن الخليج باعتباره شأنًا إقليميًا فحسب، بل قضية ترتبط بالاقتصاد العالمي واستقرار إمدادات الطاقة.
إن الحروب التي يشهدها الشرق الأوسط لا يمكن فهمها من زاوية واحدة، فهي خليط من المصالح الجيوسياسية، والهويات الدينية، والمنافسات الإقليمية، والتدخلات الدولية. وما لم تنجح دول المنطقة في ترسيخ مفهوم الدولة الوطنية، وإعلاء منطق الحوار والمصلحة المشتركة على حساب الاستقطاب العقائدي، فإن المنطقة ستظل عرضة لدورات متكررة من التوتر والصراع. وربما يكون الدرس الأهم من الأحداث الأخيرة هو أن الوعي، ووحدة الصف، وبناء الاقتصادات القوية، هي الأسلحة الأكثر فاعلية في مواجهة التحديات، لأنها تمنح الدول القدرة على حماية مصالحها بعيدًا عن الانجرار إلى حروب تستنزف الجميع ولا تترك خلفها سوى مزيد من الانقسام وعدم الاستقرار.
