الحُكم الحضاري

نحمد الله ونشكره على نعمة الأمن والأمان في مملكة البحرين؛ دولة القانون والمؤسسات التي أثبتت –حتى في أحلك الظروف والشدائد والأزمات– أن الكلمة العليا تظل دائماً وأبداً للعدالة والقانون. هذا الاستقرار الراسخ والمبدأ الثابت لم يأتِ من فراغ، بل تحقق بفضل الله جل وعلا، ثم بفضل نظام الحكم الحضاري والإنساني القائم على دولة المؤسسات، تحت القيادة الحكيمة والتوجيهات السديدة لحضرة صاحب الجلالة الملك المعظم، حفظه الله ورعاه.

في المقابل، يكفي أن ننظر إلى الواقع المأساوي المحيط بنا في المنطقة لندرك حجم النعمة التي نعيشها؛ ففي إيران يُعدم الإنسان دون محاكمة عادلة أو إجراءات قانونية لمجرد شبهة المشاركة في مظاهرة سلمية. وفي أنظمة شمولية حكمت دولا مثل سوريا والعراق وليبيا واليمن، تلاشت أدنى معايير الإنسانية، وغُيِّب مئات الآلاف من البشر في غياهب السجون المظلمة والمقابر الجماعية، دون أن يعلم أحد عن مصيرهم شيئاً، ودون أن تملك عائلاتهم المكلومة حتى حق استلام جثامينهم أو مواراتهم الثرى بكرامة. إن هذه المقارنة القاسية تؤكد مجدداً أن البحرين ستبقى دائماً واحة للعدالة، والنموذج الحضاري الأصيل في حفظ كرامة الإنسان وحقوقه.

سيادة القانون تضمن الأمن والأمان، العمود الفقري الذي ترتكز عليه نهضة الأمم واستقرار الشعوب، وفي مملكة البحرين، يبرز مؤخرا حديث الفريق أول معالي الشيخ راشد بن عبد الله آل خليفة، وزير الداخلية، كخارطة طريق وطنية متكاملة تجسد الرؤية الملكية السامية لترسيخ دولة المؤسسات والقانون. إن الأمن في المنظور البحريني الحديث ليس مجرد إجراءات احترازية روتينية أو غياب ظاهري للجريمة، بل هو الروح التي تمنح المجتمع قدرته على النمو، وهو الدرع الحصين الذي يحمي المكتسبات الوطنية من أطماع المتربصين ومن محاولات جر البلاد إلى مستنقعات الفوضى والفتن التي نراها تعصف بنماذج إقليمية مؤلمة. في حديث معالي وزير الداخلية، تبرز حقيقة سياسية وقانونية ثابتة لا تقبل التأويل، وهي أن الكل أمام القانون سواسية؛ هذا المبدأ الدستوري الأصيل يعني بوضوح أنه لا فضل لمواطن على آخر إلا بمدى التزامه بالواجبات واحترام الحقوق، حيث يجب أن يكون الولاء للوطن وحده، مترفعاً عن أي أجندات طائفية أو إيديولوجية أو دينية ضيقة قد تفرق الصف ولا تجمعه، وتخدم أطرافاً خارج الحدود لا يهمها استقرار البحرين.

وعندما نتأمل المحيط الإقليمي المضطرب، نجد أن لبنان يبرز كأفضل مثال حي وأكثر النماذج مرارة لما يمكن أن يؤول إليه حال الدول والمجتمعات عندما تضعف قبضة الدولة المركزية وتتعدد الولاءات الخارجية على حساب الولاء الوطني الخالص. ففي لبنان، أدى تآكل مؤسسات الدولة وتراجع هيبتها لصالح الميليشيات المسلحة والكيانات السياسية الموازية إلى انهيار شامل لم يتوقف عند الأمن فحسب، بل طال المنظومة الاقتصادية والاجتماعية والكرامة الإنسانية. وهنا، يدرك المواطن البحريني الواعي قيمة النعمة العظيمة التي يعيشها في ظل دولة قوية وموحدة، فالحمد لله أن وزارة الداخلية في البحرين تمسك الأمور بزمام من الحكمة والقوة واليقظة، وإلا أصبحنا مثل لبنان لا قدر الله، حيث تضيع الحقوق خلف السلاح المنفلت وتتسيد الفوضى ويغيب الأمان. إن التجربة اللبنانية القاسية أثبتت للعالم أجمع أن ارتهان القرار الوطني للخارج هو انتحار سياسي واجتماعي كامل، وهو النهج الذي يرفضه المشروع الإصلاحي في البحرين جملة وتفصيلاً، مؤكداً أن السيادة الوطنية والقرار المستقل هما أساس البقاء.

إن هذا الحزم الأمني يمثل في جوهره حماية للمواطن الصالح، من أي طائفة كان، والذي يجب أن يدرك بعمق أن تكاليف حفظ الأمن والاستقرار مرتفعة جداً على ميزانية الدولة وجهود رجالها، وعندما يقرر البعض الخروج عن الإجماع الوطني والانسياق خلف دعوات التخريب، فهم لا يمارسون “معارضة”، بل يهدرون مقدرات دولتهم ويبددون ثروات الأجيال القادمة في صراعات عبثية تستنزف طاقة الوطن. إن المواطن البحريني، سواء كان سنياً أم شيعياً، هو شريك في هذا الوطن، ونحن نؤمن يقيناً بمبدأ أن الدين لله والوطن للجميع. ومن هنا، فإنه لا يجب ترهيب الشيعة الذين يحبون وطنهم البحرين ويخلصون لقيادتهم، فهم جزء أصيل لا يتجزأ من نسيج هذا المجتمع وتاريخه العريق، ومواقفهم الوطنية هي السد المنيع ضد محاولات الاختطاف الطائفي. إن المواطنة الحقة هي المعيار الوحيد للكرامة والامتياز، والبحرين ترفض وبقوة تسييس الدين أو استغلال المنصات الدينية لبث الفرقة والكراهية بين أبناء البيت الواحد.

إن الدولة في البحرين كانت وستظل هي المظلة الكبرى التي يستظل بها الجميع بغض النظر عن مذاهبهم وأعراقهم، وهي الكيان الذي يكفل ممارسة الشعائر الدينية بحرية وأمان في إطار من الاحترام المتبادل وسيادة النظام العام. ومن هذا المنطلق، يبرز مفهوم “الأمن الشامل” الذي يتطلب منا جميعاً مسؤولية وطنية كبرى تتجاوز حدود العمل الحكومي التقليدي؛ فعلينا أن نكون جميعاً عناصر غير رسميين في وزارة الداخلية، نحرص بحسنا الوطني الغيور كما يحرص رجال الأمن المرابطون في الميادين على حماية البحرين من أي اختراق فكري أو أمني. إن المواطن هو رجل الأمن الأول، ووعيه هو السلاح الذي يحطم مؤامرات الفتنة قبل أن تبدأ. عندما يشعر كل فرد منا بأنه مسؤول عن أمن جاره وأمن شارعه وأمن مؤسسته، نكون قد وصلنا إلى مرحلة التحصين الذاتي ضد كل من يسعى لزعزعة استقرارنا.

في الختام، يظل الوطن هو الدرع الوحيد والملجأ الأخير لكل أبنائه بلا استثناء. ففي وقت الأزمات والحروب والاضطرابات، لا تحمي الإنسان طائفته ولا جماعته الحزبية ولا انتماءاته العرقية، بل تحميه دولته القوية بمؤسساتها الوطنية وجيشها وأجهزتها الأمنية. إن الالتفاف حول قيادتنا الرشيدة ودعم جهود وزارة الداخلية في حفظ الأمن ليس مجرد خيار سياسي، بل هو واجب وطني مقدس وضرورة وجودية، لأن البديل عن الدولة القوية هو الضياع والتهجير والفقر والشتات، كما نرى اليوم في بقاع شتى من العالم العربي والإسلامي. إن وعي المواطن البحريني بخطورة المخططات التدميرية التي تحاك ضد منطقتنا هو السد المنيع الذي سيحفظ للمملكة استقرارها وازدهارها. ستبقى البحرين دائماً وأبداً واحة أمان واستقرار، يحكمها القانون العادل، ويصونها الحب المتبادل بين القيادة والشعب، ويحميها الإخلاص المطلق لوطن عظيم لا نملك بدلاً عنه، ولا نرضى بسواه وطناً للكرامة والحرية. إن التمسك بالهوية الوطنية البحرينية هو السبيل الوحيد لمواجهة عواصف الطائفية، وهو الضمانة لكي تظل راية المملكة خفاقة في سماء العز والأمن.

بواسطة akmiknas

أضف تعليق