أرسل لي صديق إعلان فيديو لشركة أحذية عالمية معروفة؛ يظهر فيه جندي اسرائيلي برجل صناعية؛ يرتدي عليها حذاء من ماركة هذه الشركة. هذا الجندي الإسرائيلي فقد ساقه بعد إصابته خلال مواجهة عسكرية في قطاع غزة العام 2021.
منذ نشر الفيديو واجهت الشركة دعوات للمقاطعة وانتقادات من أحرار وناشطين حول العالم، الذين اعتبروا اختيار جندي إسرائيلي لتمثيل فئة من مبتوري الأطراف مستفزاً، خصوصاً أن حصيلة المصابين من الفلسطينين جراء الحرب الاسرائيلية على قطاع غزة وصلت إلى نحو 175 ألف مصاب منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى الآن، جزء كبير منهم بُترت أطرافهم إما جراء القصف الاسرائيلي وإما في عمليات في مستشفيات ميدانية ومن دون تخدير.
طبعا نحن نتحدث عن المصابين فقط. هناك أيضا قرابة 75 ألف شهيد، وعشرات آلاف المفودين، والمشردين معظمهم نساء وأطفال من الذين تهدمت بيوتهم ولا زالوا بلا مأوى.
بجانب هذه الأزمات التسويقية التي تقع فيها الكيانات الكبرى، يُلاحظ تحول بنيوي أكثر عمقاً يكمن في تآكل السردية التي اعتمدت عليها إسرائيل لعقود، حيث أصبحت تخسر تدريجياً دعم وتعاطف الرأي العام العالمي. فقد أضحت المجتمعات والشعوب، ولا سيما فئة الشباب، أكثر وعياً وحساسية تجاه العنجهية الصهيونية وممارسات القوة المفرطة، مقابل تصاعد غير مسبوق في مستوى التعاطف الإنساني مع الشعب الفلسطيني العزل الذين يدفعون ثمن هذه الحرب من أرواحهم وأجسادهم. هذا الوعي المجتمعي المتزايد يضع الشركات العالمية اليوم أمام واقع جديد؛ فالمستهلك لم يعد يكتفي بمتابعة الإعلان، بل يربط بين العلامة التجارية وموقفها الأخلاقي من القضايا الإنسانية العدالة.
وهنا لا يعود السؤال متعلقاً بالإعلان لحذاء هذه الشركة العالمية؛ بل يصبح أوسع بكثير: من نختار عندما نريد أن نروي قصة إنسانية؟ وما الذي نريد أن يراه الناس عندما نضع شخصاً معيناً في واجهة قضية حساسة تمس الألم والفقدان؟
وهنا تقع الشركات العالمية أمام مسؤولية لا يمكن تجاهلها. فهي لا تختار المنتجات فقط، بل تختار أيضاً الأشخاص الذين يمثلونها، والقصص التي تمنحها مساحة، والصور التي تريد أن تبقى في ذاكرة الجمهور. إذ كان يمكن للحملة أن تختار شخصاً مدنياً مبتور الطرف، كما كان يمكن أن تمنح مساحة لطفل أو شاب أو امرأة مروا بالتجربة نفسها. وكان يمكن أن تستفيد من الحملة لتسليط الضوء على صعوبات الحياة بعد البتر، بعيداً عن الانقسام السياسي. فاختيار شخصية أقل ارتباطاً بالصراع كان سيجعل الرسالة أكثر قدرة على الوصول إلى جمهور أوسع، وربما أكثر انسجاماً مع الغرض الإنساني للمنتج.
لكن هناك حجة أخرى تستحق النظر؛ فقد يقول البعض إن تحميل الإعلان معنى سياسياً كاملاً ليس منصفاً. فالشخص الذي ظهر فيه ليس ممثلاً للحكومة الإسرائيلية، وإنما مبتور طرف يحاول استعادة حياته. ومن غير المنطقي، وفق هذا الرأي، حرمان الأشخاص من التعبير عن تجاربهم بسبب هويتهم أو مهنهم السابقة. كما أن مساواة كل إسرائيلي بالقرارات العسكرية التي اتخذتها حكومته أو جيشه تحمل بدورها مشكلة أخلاقية، وهذه حجة لا ينبغي تجاهلها.
لكن المشكلة الأساسية ليست في حق الرجل في الحديث عن تجربته، وإنما في قرار شركة عالمية وضع قصته في هذا السياق تحديداً، فالمسؤولية هنا تقع على عاتق من صمم الحملة وأدارها، وليس على الشخص الذي فقد ساقه.
وتزداد أهمية هذه النقطة عندما نستعيد تجربة الشركة ذاتهها مع عارضة الأزياء ذات الأصول الفلسطينية بيلا حديد عام 2024. فقد سحبت الشركة صورها من حملة للأحذية مرتبطة بإعادة إصدار طراز ظهر في سياق دورة ميونيخ الأولمبية عام 1972، بعد انتقادات إسرائيلية مرتبطة بمشاركة حديد في الحملة. وقالت الشركة لاحقاً إنها راجعت الحملة واعتذرت عن التداعيات التي سببتها.
إن المقارنة هنا مهمة، لأنها تطرح سؤالاً بسيطاً: إذا كانت الحساسية السياسية والتاريخية تبرر تعديل حملة إعلانية عندما يأتي الاعتراض من طرف معين، فلماذا لا تستحق حساسية ملايين الفلسطينيين الذين فقدوا أطرافهم خلال الحرب القدر نفسه من الانتباه؟
ولا يتعلق الأمر بمن يملك الحق في الغضب؛ بل بمعيار واحد في التعامل مع الألم الإنساني. أما حملات المقاطعة فهي وسيلة يختارها المستهلكون للتعبير عن اعتراضهم. وقد بدأت بالفعل دعوات لمقاطعة أديداس بعد الحملة، مع انتقال الجدل من مواقع التواصل إلى مقاطع يظهر فيها أشخاص وهم يتخلصون من منتجات الشركة ويدعون الآخرين إلى عدم إنفاق أموالهم عليها.
إن هذه الضجة قد تنتهي خلال أيام. وقد تتحول إلى أزمة أطول بالنسبة إلى العلامة التجارية. لكن القضية التي أثارتها لن تختفي بهذه السرعة، فعندما يتصل المنتج بجزء من جسد فقده الإنسان، تصبح القصة أكبر من الإعلان. وعندما يحدث ذلك وسط حرب خلّفت آلاف المصابين ومبتوري الأطراف، يصبح اختيار الوجه الذي يحمل الرسالة قراراً أخلاقياً أيضاً.
من خلال خبرتي بالشركات العالمية، يمكنني القول إن جزء كبير منها يدار من قبل صهاينة، كما تخضع الخطابات الإعلانية والإعلامية للشركات العالمية بشكل أساسي لطبيعة الأسواق الغربية التي تحتضن مقراتها الرئيسية وتشكّل الحصة الأكبر من إيراداتها، حيث تقع هذه الشركات تحت تأثير الموقف السياسي الرسمي والتغطية الإعلامية السائدة في تلك الدول، فضلاً عن ضغوط المستثمرين ومجموعات الضغط التي تدفعها لتجنب المخاطر القانونية وحماية سمعتها التجارية في مجتمعاتها المحلية؛ وهو ما يفسر تبنيها سرديات تتعاطف مع الجانب الإسرائيلي على حساب الحقائق الفلسطينية، رغم ما يسببه ذلك من تراجع لسمعتها وخسائر اقتصادية في منطقة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي.
ربما لم تكن المشكلة في أن الشركة اختارت مبتور طرف، بل في أنها اختارت قصة واحدة، بينما كانت هناك آلاف القصص الأخرى التي تنتظر من يسمعها. وفي عالم تتنافس فيه الشركات على الوصول إلى الجمهور، قد يكون السؤال الأهم الذي يجب أن تطرحه العلامات التجارية قبل إطلاق أي حملة هو هذا: هل نختار الشخص الذي يخدم الإعلان، أم نختار القصة التي تستحق أن يسمعها العالم؟
