العيد من خلال عَينَي حفيدتي

في اتصال مرئي عن بعد مع حفيدتي البالغة من العمر عشرة أعوام، سألتها “ماذا ستفعلين في العيد؟”، أجابت ببراءة الطفولة “سأتصل بأصدقائي وأراهم من خلال الشاشة، لكنني لن أستطيع أن أعانقهم، أن آكل معهم، أن أركض وألعب معهم، أنا حزينة جدا”!

قلت لحفيدتي إن كورونا ما هو إلا غيمة صيف عابرة وستزول، لكن الأطفال اليوم لديهم إدراك عميق للأشياء من حولهم، وهم على اطلاع واسع على المعلومات من مصادرها، وهذا ما يجعل محاورتهم وإقناعهم صعبا إلى حد ما، قالت حفيدتي “لا أحد يعلم على وجه اليقين إلى متى ستستمر هذه الغيمة القاتمة. لقد أصابني الممل، وشعوري بالعزلة عن العالم يزداد يوما بعد يوم، وأصبحت أشعر بحزن عميق بين الفترة والأخرى”.

هذا الكورونا اللعين الذي سرق الفرحة حتى من عيون الأطفال، حرمنا رؤية ابتساماتهم وسماع ضحكاتهم، حرمهم من الذهاب للمدرسة، ومن ممارسة حياتهم وطفولتهم بشكل طبيعي، حرم الأطفال حتى من أخذ عيديتهم نقدا، وإن حصلوا عليها بطريقة أو بأخرى ليس هناك مكان لينفقوها فيه.

يجب أن نمنح الجميع -الأطفال والكبار- الأمل، وللكاتب المسرحي سعد الله ونوس عبارة مشهورة تقول “نحن محكومون بالأمل”، وأسوأ ما يمكن أن يحدث لنا في هذه الظروف الصعبة هو أن ينفذ صبرنا وتخور قوانا ونستسلم لمشاعر الإحباط واليأس، عندها فقط ننهزم أمام هذا الفايروس اللعين، ونموت قهرا وكمدا قبل أن نموت بالمرض.

سمعت ذات مرة عن أسد يجمع الحيوانات يوميا للتسامر في مجلسه بالغابة، وفي أحد المرات قال له فأر من بين الحضور: أنا أستطيع قتلك خلال شهر واحد!. سَخِر الأسد طبعا من كلام الفأر، وكذلك فعلت باقي الحيوانات في المجلس، لكن الأسد استيقظ صباح اليوم التالي وهو يفكر قليلا في كلام الفأر، ليواصل بعدها يومه بشكل اعتيادي، وفي اليوم الثالث بدأ كلام الفأر يتردد أكثر في ذهن الأسد: ماذا لو كان الفأر يدبر مكيدة لقلتي بالفعل؟!، وبعد أسبوع سيطرت الفكرة على عقل الأسد تماما تماما، ولم يمض الشهر حتى سقط الأسد ميتا ما من شيء سوى مخاوفه وهواجسه.

كانت أمي رحمها الله تقول لي “القوة تأتي من الداخل”، وكل يوم في حياتي أدرك أكثر معنى ذلك، معنى أن يكون الانسان متماسكا يتحلى بالعزيمة والحكمة والصبر والمرونة وحسن التصرف، أن يكون شجرة صنديان تتعاقب عليها الفصول وتهب عليها الرياح وتأكل من لحائها الحيوانات والقوارض، لكنها تبقى راسخة في الأرض باسقة في السماء.

ما هو فايروس كورونا؟ هو فايروس قاتل بلا شك، لكن هل يحمل هذا الفايروس بيده مُسدَّسا ويلاحقنا من مكان لآخر لإطلاق النار علينا؟ قطعا لا، بل يمكننا تجنبه باتباع إجراءات احترازية بسيطة، نغسل يدينا جيدا، نتجنب لمس الوجه، والمصافحة، نحافظ على غذائنا السليم وممارسة الرياضة بحث نرفع مناعتنا. عندها يصبح احتمال الوفاة بكورونا أشبه باحتمال الوفاة بحادث سير، احتمال قائم لكنه ضعيف جدا جدا جدا، وكلنا في نهاية المطاف تحت رحمة ولطف الله تعالى.

على صعيد الدولة والمجتمع، الكل يُجمِع على أن العالم مع بعد كورونا لن يكون كالعالم قبله، خاصة وأن التأثيرات المدمرة لهذا الفايروس طالت العالم بأسره، لكني أعتقد أن البشرية أقوى من أن يهزمها فايروس كهذا، وستعود الحياة إلى طبيعتها وحيويتها بشكل أسرع مما نتصور، وسيصبح كورونا قصة للعبرة والذكرى ليس إلا.

لقد منحنا كورونا ما يمكن تسميته بـ “استراحة المحارب”، وهذا ما أقوله للعاملين معي والناس من حولي، فالعالم حاليا في حالة سُبات وليس موت، وستعود قريبا الحياة للأسواق والميادين والمدارس والملاعب، وربما كوكبنا بحاجة لهذه الاستراحة أكثر منا، فها هو يتنفس الصعداء من جديد بعد أن أثقلنا عاتقه بالضوضاء والتلوث.

ما سبق حاولت إيصاله لحفيدتي بلغة مبسطة تفهمها، فضحكت في نهاية المكالمة، وقالت “أحبك جدي، أملنا بالله كبير، قريبا سيفتح الله لنا أبواب العيد وأبوابا جديدة من السعادة”.

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s