مع سماعنا لهذا الخبر الجميل بإعلان الهدنة لمدة خمسة عشر يوماً بين الأطراف المعنية في الصراع، سواء في أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، بدأ العالم أخيراً يتنفس الصعداء، وهي لحظة نادرة في خضم هذا الوضع المرير تمنحنا فرصة للتأمل واليقظة في آن واحد. ورغم أن الهدوء المؤقت يبعث على التفاؤل، إلا أنني كما قلت سابقاً لا زلت أرى أن عوامل زوال التوتر واندلاع الصراع مجدداً لا تزال قائمة، فنحن مازلنا لا نعلم شيئاً عن مصير الملفات النووية الشائكة أو الصواريخ بعيدة المدى التي تتوارى خلف الستار.
وفي الواقع، فإن الأخطر من ذلك هو ما نشهده من محاولات إضفاء صبغة قدسية على هذا الدمار، وكأن الأطراف المتنازعة تستند في قراراتها إلى أوامر غيبية، سواء ما نسمعه من استحضار للتوراة في الخطابات اليهودية أو ما يتردد في الجانب الإيراني حول المهدي المنتظر ونصرة المظلومين، وحتى في البيت الأبيض حيث رأينا كيف يستدعي القادة القساوسة لمباركة خطواتهم، بينما يظل مطلبنا الصادق والبسيط هو السلام والازدهار والعيش الكريم بعيداً عن الصراعات التي لا تجني الشعوب منها إلا الخراب.
ما شهدناه قبل الهدنة من اتساع مخيف لدائرة الحرب والتي وصلت إلى ما يقارب 12 دولة وامتدت لتطال أماكن لم نكن نتخيل دخولها خط النار بهذه السرعة، كان أشبه بانجراف حر نحو الهاوية، وهو ما يثبت أننا اليوم أمام اختبار حقيقي لإعمال العقل، فالهدنة الحالية هي فرصة التعافي، والتعافي هنا لا يعني مجرد توقف القتال، بل يبدأ بإعادة ترميم الثقة بين الأطراف، وفتح قنوات الحوار وتقديم الدعم الإنساني العاجل للمتضررين، كما يتطلب الأمر إعادة بناء ما دمرته الحرب من بنى تحتية ومؤسسات مع الاهتمام أيضاً بالاستثمار في المصالحة المجتمعية وتعزيز ثقافة السلام للنهوض من جديد والتركيز على الاستقرار وبناء المستقبل.
إن الحديث عن الآثار والتداعيات الاقتصادية لهذه الحرب سيستمر بلا شك، ولكن التركيز الآن يجب أن ينصب على كيفية التعافي السريع، فنحن كأصحاب أعمال ومسؤولين نتحمل التزامات أخلاقية وتاريخية تجاه موظفينا وأسرنا ومجتمعنا واقتصاد بلادنا، لذا فالمهم في هذه المرحلة هو ألا ننطوي على أنفسنا أو نستسلم لمشاعر الإحباط والانتظار السلبي، فالتاريخ علمنا أن الأزمات الكبرى هي التي تولد الفرص العظيمة، واقتصادنا اليوم ليس هشاً، بل هو شريان حياة يحتاجه العالم أجمع، كما أننا في دول الخليج بفضل حكمة حكامنا ورؤيتهم الثاقبة، استطعنا تجنب دمار كان يمكن أن يكون أوسع وأخطر، وهو ثمرة نضج سياسي واجتماعي جعلنا ندير أزماتنا بهدوء بعيداً عن الانفعالات الطائفية مؤمنين دائماً بمبدأ العيش المشترك.
الدرس الأكبر الذي يجب أن نستوعبه جميعاً في هذه اللحظة الفارقة هو أن الانتصار في الحرب هو وهم كبير، ففي الحروب الكبرى العالم كله يخسر ولا يوجد منتصر حقيقي، وبالعودة للتاريخ نجد أن دولاً جلست في مقاعد المنتصرين لكنها خرجت مدمرة اقتصادياً ومنهكة بشرياً واجتماعياً، فيكون الثمن دائماً ما يُدفع من دماء الشعوب ومستقبل الأجيال، وهذا ما يجعلنا اليوم مطالبين بأن نشد من أزر بعضنا البعض، وأن ندعم قيادتنا التي تنتهج طريق العقل والهدوء والشجاعة في اتخاذ القرار الصعب في الوقت الراهن، وعلينا أن ندرك أن استقرارنا هو رأس مالنا الحقيقي وأن القوة الحقيقية لا تكمن في كمية أو نوعية الأسلحة، وإنما في ما تملكه الدولة من حكمة وفكر يخدم شعبها.
بصفتي رجل أعمال يعمل في قلب الاقتصاد، أؤمن يقيناً بأن الهروب من مواجهة التحديات لم يكن يوماً هو الحل، بل إن الصمود والثبات فوق الأرض هو ما يصنع الفارق الحقيقي في تاريخ المؤسسات والأوطان، فالانتماء ليس مجرد شعار نرفعه في الرخاء، بل هو التزام أخلاقي عميق تجاه كل فرد يعتمد علينا في رزقه، ومسؤولية كبرى تجاه كل صرح شيدناه بجهد السنين، والهدنة الحالية في جوهرها هي الاختبار الحقيقي لمدى تماسكنا المجتمعي وقوة جبهتنا الداخلية، إذ لا يمكننا أن نقبل برؤية النهضة التي بنيناها بعزيمتنا تنهار أمام قرارات لا ناقة لنا فيها ولا جمل، بل يجب أن نستغل هذه الأيام الخمسة عشر لإعادة ترتيب الأوراق وضخ روح التفاؤل في شرايين التجارة والاستثمار.
نحن الآن في القطاع الخاص والمؤسسات الوطنية أمام مسؤولية استثنائية لإثبات قدرتنا على العمل والإنتاج بروح الفريق تحت راية البناء، ولذا فإن مقتضيات المرحلة تتطلب منا وعياً واقعياً يستند إلى الالتزام بالتعليمات الرسمية والابتعاد عن الشائعات الخبيثة مع التركيز الكامل على صقل قدراتنا المؤسسية وتطوير أدواتنا التقنية لتعزيز مرونة اقتصادنا الوطني، فثقتنا راسخة بقيادتنا مع الإيمان بقدرتنا على تجاوز الصعاب.
ما استخلصناه من تجاربنا الماضية يتجاوز مجرد الصمود أمام الأزمات، بل هو إدراك عميق بأن استقرارنا مرهون بيقظتنا الدائمة وقدرتنا الاستباقية على قراءة التحولات، والواقع يذكرنا بأن مسببات الصراع لا تزال كامنة تحت الرماد، وهو ما يحتم علينا، كمجتمع أعمال وقوى وطنية، أن نستثمر هذه الوقفة لإعادة تحصين مؤسساتنا وبنيتنا الاقتصادية ضد أي ارتدادات مستقبلية محتملة، وعليه، فإن المرحلة تقتضي تسخير طاقاتنا لتحويل المحن الراهنة إلى فرص للبناء نضمن من خلالها العبور الآمن نحو مستقبل تسوده الطمأنينة.
ختاماً، رسالتي لكل من يسكنه القلق هي رسالة طمأنينة نابعة من قلب الحدث، اطمئنوا فإن الضربة التي نمر بها اليوم ستصقلنا لنكون أكثر قدرة على مواجهة المستقبل، وسنخرج من هذه المحنة بدرس جديد وقدرات أكبر مما كنا نتخيل، ولن نترك المجال لأي قوى خارجية أن تعبث باستقرارنا أو تعطل مسيرتنا نحو التطور والازدهار، فنحن قوم نؤمن بأن العمل عبادة وأن البناء رسالة، وسنظل متمسكين بهذا النهج حتى تنقشع هذه السحابة مستعينين بالله في كل خطوة ومؤمنين بأن إرادة الشعوب في السلام ستنتصر في النهاية على الدمار والتفرقة بل وسوف نكتب فصلاً جديداً من فصول النجاح والتميز في التاريخ.
