متفائلين فيكم.. لكن الله يعينكم

في خضم انشغالاتنا هذه الأيام بمتابعة التطورات المتسارعة والأحداث الناتجة عن الاعتداءات الإيرانية الآثمة على البحرين وأشقاءنا في دول الخليج، وما تلاها من انعكاسات طبيعية على تفاصيل حياتنا اليومية، كان لزاماً علينا أن نبحث عن المساحات التي تعيد إلينا توازننا، ونعود معها إلى جوانب من حياتنا الطبيعية. لقد فرضت هذه الظروف تحديات كبيرة على أعمالنا، ونفسياتنا، لكنني وجدت نفسي قبل أيام في تجربة استثنائية، أعادتني بصدق إلى أجواء حياتنا السابقة، حيث اجتمعت مع عدد من الأصدقاء والمعارف، وكان حديثنا منصباً على كيفية تجاوز هذه التحديات، والعودة باقتصادنا الوطني إلى مسارات الاستدامة والنمو التي نأملها جميعاً.

كانت هذه التجربة هي انتخابات غرفة تجارة وصناعة البحرين، وقد أحسن أصحاب القرار صنعاً عندما قرروا إجراء هذه الانتخابات في موعدها المحدد، دون أي تأجيل أو تردد، فإن الإصرار على الموعد كان رسالة سياسية واقتصادية مهمة، مفادها أن عجلة الحياة في البحرين لا تتوقف، وأن بناء المستقبل وتطوير مؤسساتنا العريقة لا يخضع للظروف الطارئة الخارجة عن إرادتنا، وأنه لا يوجد أي داعٍ للتأجيل لأن الدول القوية هي التي تمارس ديمقراطيتها واقتصادها حتى في أصعب الأوقات.

ذهبت يوم السبت الماضي للمشاركة في هذه الانتخابات، وكنت أشعر بمزيج من السعادة والفخر، إذ رأيت إقبالاً لافتاً ومنظماً من التجار من مختلف الأعمار، ومختلف الأنشطة الاقتصادية، من جيل الرواد الذين وضعوا اللبنات الأولى للسوق، إلى جيل الشباب الذي يحمل طموحات في عدة قطاعات تجارية، فكانوا جميعهم يدلون بأصواتهم، لأنهم يدركون أن الغرفة هي المحرك الأساسي لتطوير القطاع الخاص، وتعزيز مكتسبات كل تاجر، صغيراً كان أم كبيراً، وفي تلك اللحظة وتلك القاعة، شعرت أن الاقتصاد البحريني بخير، وأن روح المبادرة لا تزال متقدة رغم كل الفوضى التي تحيط بالمنطقة.

وخلال جولتي في الغرفة، التقيت بالأخ العزيز والصديق نبيل كانو، رئيس كتلة “استدامة”، نبيل شخصية اقتصادية بارزة وهو أيضاً ابن الصديق العزيز الراحل خالد كانو، ذلك الرجل الذي أكن له كل الاحترام والتقدير، والذي تعلمت منه الكثير من دروس الحياة والتجارة، رحمه الله، كان مدرسة في العطاء والخلق الرفيع، ورؤية نبيل في هذا المحفل وهو يقود كتلة تحمل اسم “استدامة” جعلتني أشعر بنوع من الوفاء لتاريخ هذه العائلة العريقة في خدمة اقتصاد البحرين، وبأن القيم التجارية الأصيلة تنتقل بالفعل من جيل إلى جيل.

قلت للأخ نبيل حينها إنني أبارك له الفوز بشكل مسبق، لكنني أخبرته في الوقت ذاته، وبصراحة الصديق، أن أمامه مع زملائه في مجلس إدارة الغرفة عملاً كثيراً ينتظرهم، فتطلعات التجار اليوم أصبحت عالية الأفق، والتحديات التي تواجه القطاع الخاص، خاصةً في ظل الظروف الجيوسياسية الراهنة، ليست بالهينة، ونحن اليوم نحتاج لغرفة تجارة قوية، تدافع عن مصالح المنتسبين، وتضع حلولاً مبتكرة للعقبات التي قد تعترض طريق النمو، وتكون شريكاً حقيقياً للحكومة في رسم السياسات الاقتصادية المستقبلية.

أكثر ما أعجبني في حديث نبيل كانو هو فلسفته في اختيار أعضاء كتلة “استدامة”، حيث أخبرني أنه تعمد اختيار شخصيات تشكّل تجارب متنوعة وخلفيات اقتصادية مختلفة، فهذا التنوع هو بالضبط ما نحتاجه اليوم، فالمجلس لا يمكن أن ينجح بلون واحد أو بخبرة محصورة في قطاع دون غيره، نحن نحتاج إلى من يفهم في العقار، ومن يفهم في الصناعة، ومن يواكب قفزات التجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية، وغيرها، فهذا التكامل هو الذي سيعاون رئيس الغرفة ومجلسها على تلبية طموحات الشارع التجاري، وسيجعل من الغرفة صوتاً مسموعاً ومؤثراً في كل المواقف.

لا يفوتني هنا أن أشكر مجلس إدارة غرفة التجارة الأسبق برئاسة الأخ سمير عبد الله ناس على ما بذلوه من جهود وما حققوه من إنجازات على مدى السنوات الثماني الماضية.

بصفتي رجل أعمال يدير استثمارات ولديه التزامات تجاه موظفين وعملاء، أدرك تماماً أن الاقتصاد ينمو ويزدهر حيث توجد الثقة والشجاعة، وإن مشاركتنا في صياغة مستقبل غرفة التجارة في هذا التوقيت بالذات هي رسالة لكل من يراقبنا من الخارج، بأن بيئتنا الاستثمارية مازالت قوية، وصامدة، وأننا لا نبحث عن حلول مؤقتة للأزمات بل نطمح مع الإخوة في في كتلة “استدامة” والمجلس الجديد إلى وضع استراتيجيات بعيدة المدى، تجعل من القطاع الخاص شريكاً لا يستغنى عنه في حماية المكتسبات الوطنية.

في الواقع، إن ما شهدناه في انتخابات الغرفة هو الرد الحقيقي والعملي على كل من يحاول زعزعة ثقتنا بوطننا واقتصادنا، فحين يخرج التاجر ليصوت، فهو يثبت للجميع أن الظروف لن تهز الاستقرار والاستمرار، وهذه الروح هي التي جعلت البحرين دائماً تتجاوز المحن وتخرج منها أقوى، كما أن الطمأنينة التي تعم البحرين والتي تحدثت عنها في مقالاتي السابقة نراها اليوم تتجسّد أكثر في إقبال التجار على الانتخاب، وفي حواراتهم الجانبية عن الفرص القادمة، وفي الإصرار على أن تظل مملكتنا وجهة رفيعة للتجارة والمال مهما كانت التحديات.

أعتقد أن مثل هذه التفاصيل، كاستمرار عملية الانتخاب لغرفة التجارة، تحمل معانٍ عميقة قد لا نراها من الوهلة الأولى، فهي تؤكد لنا كل يوم وبشكل عملي أن “البحرين بخير ما دام انتوا أهلها”، نعم، فنحن بخير لأننا شعب لا يعرف اليأس، ولأن تجارنا ورواد أعمالنا لا يغلقون أعمالهم عند أول شوكة تواجههم في الطريق، ولأن مستثمرينا يثقون في صلابة مؤسسات المملكة وحكمة رجالها، وهذه الوحدة التي رأيتها في وجوه الحاضرين بالانتخابات هي التي أكدت صدق ما أقوله، فالحروب والأزمات قد تؤثر على الأرقام والمؤشرات لفترة، لكنها لا يمكن أن تهزم إرادة شعب يرى في العمل والبناء واجباً وطنياً، ويتمتع بوعي عالٍ هو السد المنيع الذي تتحطم عليه كل المحاولات اليائسة للنيل من استقرارنا.

يبقى الرهان الآن على قدرتنا على تحويل هذه الطموحات إلى واقع ملموس، فقد انتهت الانتخابات وبدأ وقت العمل، والآمال المعقودة على مجلس الإدارة الجديد كبيرة جداً. نحن ننتظر منهم أن يكونوا جسر العبور نحو اقتصاد أكثر مرونة وقدرة على مواجهة الصدمات، وكما خرجنا من يوم الانتخابات ونحن نشعر بالفخر بوعي المجتمع التجاري، نأمل أن نرى ثمار هذا الوعي في قرارات تخدم الاستدامة، وتعزز النمو، وتؤكد أن البحرين ستبقى دائماً، بقيادتها وشعبها وتجارها، عصية على الانكسار ومنارة للبناء والتقدم.

بواسطة akmiknas

أضف تعليق