هل صحيح أن حضارتنا وإنسانيتنا بخير؟ هل نتقدم للأمام على هذا الصعيد؟ ما هي حصيلة مئات السنين من النضال ضد العنصرية والتمييز والتفرقة؟ هل مفاهيم «حقوق الإنسان» حقيقة أم أداة سياسية بالفعل؟ هل تسير البشرية بالاتجاه الصحيح نحو العدالة والمساواة؟
كل هذه الأسئلة وغيرها كانت تدور في ذهني لدى متابعتي أخبار فقدان الاتصال بالغواصة تيتان، وآلاف التقارير المكتوبة والمصورة التي تتحدث عن رحلتها المأساوية تلك، وتركز بشكل خاص على الأثرياء الخمسة الذين كانوا بداخلها، وأن العالم المتحضر يسابق الزمن من أجل الوصول لهم قبل نفاذ الأوكسجين، قبل أن نعلم أخيرا أنهم لقوا حتفهم نتيجة انفجار داخلي.
بالمقابل، وتزامنا مع أخبار الغواصة المنكوبة التي تحمل خمسة أرواح على بعد أكثر من 3500 متر في رحلة ترفيهية إلى قاع المحيط الأطلسي، كان هناك سفينة أو فلوكة مهترئة تحمل على متنها 750 روحا في رحلة عذاب، رحلة لجوء، رحلة هروب من الجحيم، انطلقت تمخر عباب البحر المتوسط من شواطئ لبنان قاصدة البر الأوروبي بدءا من جزيرة قبرص، لكنها أيضا غرقت، وتناثرت جثث الضحايا على سطح الماء وليس في أعماقه، ولا أعرف إذا كان هناك من تطوع لانتشالها، لأن الحادثة برمتها كانت شبه مغيبة عن الإعلام.
من يهتم بأرواح 750 سوريا أو لبنانيا أو عراقيا أو مصريا من الفقراء الهاربين من جحيم بلادهم؟ هؤلاء ليسوا أثرياء ولا يعيشون في لندن أو دبي، وليس لديهم ظهور تلفزيوني، ربما لديهم أطفال وآباء وأمهات وعائلات تبحهم ويحبونهم، لكن يبدو أنهم بشر درجة ثانية في نهاية المطاف.
إنها مفارقة كبيرة بالفعل يجب أن تجعلنا نقرع جرس الخطر. ليس هناك بشر لهم قيمة وآخرون قطع غيار، إذا سمحنا للأمور بالانجرار نحو هذا النحو سنصل إلى مرحلة يتحول فيها العالم إلى غابة، يأكل فيها القوي الضعيف، ولن يكون هناك ناجون؛ لأن كل قوي سيكون هناك أقوى منه يلتهمه.
لا أتابع الرياضة كثيرا، لكن ما جرى مع اللاعب البرازيلي فينيسيوس من هجمات عنصرية وصيحات ورمي بالقاذورات من قبل فئات من الجمهور خلال أكثر من مباراة يؤكد أن أوروبا، قارة الحضارة، لا زالت تعاني من العنصرية، بل إنها مكان خطر للعيش، ليس بالنسبة للسود فقط، بل لكل من هو مختلف.
أعتقد أن التمييز على أساس الجنس، والعرق، والجنسية، وليس على أساس العلم والعمل والمساهمات المجتمعية، هو واحد من أكثر التحديات التي يواجهها عالمنا الحديث، فهي تؤثر على الكثير من الناس وتمنعهم من تحقيق إمكاناتهم الكاملة والمساهمة في النهوض بالمجتمع. كما يعد التمييز أحد أكثر المشكلات الاجتماعية إيلاما في العالم، فهو يؤثر على حياة الكثير من الناس ويحرمهم من العيش بكرامة والاستفادة من فرص التنمية والتحديث.
ويشعر الكثيرون بالإحباط بسبب التمييز الذي يعانون منه في حياتهم اليومية، وهذا يؤثر على صحتهم العقلية والجسدية ويمنعهم من الاستمتاع بحقوقهم الكاملة، ويؤدي التمييز إلى تدهور العلاقات الاجتماعية والتوتر بين أفراد المجتمع، كما يؤثر على العملية الإنتاجية والاقتصادية ويحول دون تحقيق النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة. ويؤدي التمييز إلى تفاقم الفقر والعزلة والتهميش في المجتمع، ويعزز الانقسامات والتوترات بين فئات المجتمع، ويحول دون تحقيق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.
يجب أن نميز بين بعضنا بعمل الخير والمساهمات التي نقدمها للمجتمع، بدلا من التمييز على أساس الجنس، والجنسية، فالتمييز على هذه الأسس يؤدي إلى الظلم والإقصاء والتفرقة، ويمنع الكثير من الناس من الحصول على فرص التطور والمساهمة في التطوير والتنمية.
على سبيل المثال، إذا كان شخص ما لديه مؤهلات عالية وخبرة كافية في مجال معين، فإنه يجب أن يحصل على الفرصة نفسها التي يحصل عليها أي شخص آخر لديه نفس المؤهلات والخبرة، ولا ينبغي أن يتم التمييز ضده بسبب جنسه أو جنسيته أو نسبه أو عائلته. ويمكن للتعليم أن يلعب دورا مهما في مكافحة التمييز، فهو يدعم تنمية الوعي لدى الأفراد ويعزز القيم الأخلاقية والديمقراطية والمساواة. ويجب أن يتم توفير فرص التعليم لجميع الأفراد في المجتمع بما يتناسب مع احتياجاتهم واهتماماتهم ومستوياتهم التعليمية، ويجب كذلك أن يتم تشجيع الأفراد على الاستفادة من الفرص التعليمية المتاحة لهم.
ومن أجل مكافحة التمييز، يجب أن نتبنى القيم الأخلاقية والدينية التي تعزز التسامح والتعايش السلمي والاحترام المتبادل بين أفراد المجتمع. بالمقابل يجب على الأفراد أيضا أن يلتزموا بالمبادئ الأخلاقية والمهنية التي تعزز العدالة والمساواة والمصالح المشتركة، وأن يحترموا حقوق الآخرين ويعملوا على تحقيق العدالة والمساواة والتنمية المستدامة في جميع المجالات.
يجب على المؤسسات والشركات تبني سياسات تعزز العدالة والمساواة وتحد من التمييز في مكان العمل، وتشجيع التنوع والتعددية في القوى العاملة. ويمكن للحكومات أيضا أن تلعب دورا مهما في مكافحة التمييز، من خلال تشجيع الانخراط الاجتماعي بين جميع طبقات المجتمع في العملية السياسية والحد من التمييز في القوانين والسياسات الحكومية.
علينا أن نتذكر أن الجميع متساوون في الحقوق والواجبات، وأن التمييز بين الناس على أساس الجنس، والجنسية، لا يخدم إلا مصالح القلة الضيقة النظر، على حساب المجتمع بأكمله؛ لذا، يجب أن نتحلى جميعا بالتسامح والاحترام والتعاون من أجل بناء مجتمعات مزدهرة وعادلة.
يسجل لمملكة البحرين تقدمها الكبير في مجال حظر التمييز بين الناس لأي سبب كان، ومؤخرا حققت المملكة قفزات كبيرة على مؤشر المنتدى الاقتصادي العالمي الذي يرصد المساواة بين الجنسين، كما حافظت على مكانتها في صدارة دول العالم في مجال مكافحة الاتجار بالبشر.
على الصعيد الشخصي، لا أكشف سرا إذا قلت إن أحد أسباب راحتي وسعادتي في الحياة، وأيضا سبب نمو أعمالي على مدى أكثر من ستين عاما، هو تقبلي للجميع كبشر وأخوة لي، لا يهمني دينك وانتماؤك وموطنك طالما أنك عنصر فاعل منتج تقدم ما هو مفيد لنفسك ولأسرتك ولمجتمعك وللبشرية.
