اتصل بي صديق قبل أيام وسألني “أين أنت؟”، فأجبته أني في المكتب أعمل، فقال لي “أكيد أنت مجنون! هل هناك عاقل يخرج من منزله في هذه الظروف؟”، وكأني بذهابي إلى مكتبي أرتكب جريمة. جاء ردي عليه بكل بساطة، وكان نابعاً من قناعة راسخة لا يزعزعها أي شيء “نعم، أنا في مكتبي، أتابع عملي بكل طبيعية، وألتزم بكل التعليمات الرسمية الصادرة من وزارة الداخلية، والأهم من ذلك كله، أنا مطمئن”. في الواقع، لست متهوراً ولا مجنوناً ولا غائباً عن الوعي بما يدور حولنا كما يظن صديقي، لكنني ببساطة أرفض أن أكون ضحية لحرب لم أخترها، وهي حرب الخوف والتشاؤم التي تسبق دائماً مواجهات الميدان وتخلف وراءها دماراً نفسياً يفوق بمراحل أي دمار آخر.
إن أولى خطوات النجاة في زمن الأزمات هي ألا ننخرط في دوامة التشاؤم التي يروج لها البعض عن قصد أو دون قصد، إن هزيمة الخوف في داخلنا هي المعركة الحقيقية التي يجب أن ننتصر فيها كل صباح قبل أن نفتح أبواب مكاتبنا، فالخوف في جوهره لا يغير من الواقع شيئاً، هو فقط يشل حركتنا، ويعكر صفو تفكيرنا، ويجلب معه أمراضاً وكآبة نحن في غنى عنها. حين نقرر أن نسير أعمالنا ونتابع التزاماتنا، فنحن نؤدي واجباً إنسانياً ووطنياً، ونمارس فعلاً من أفعال المقاومة النفسية، ونؤكد لأنفسنا وللعالم أن الحياة مستمرة، وأن إرادتنا أقوى من الظروف، لأن الجلوس في المنزل بانتظار المجهول ليس حلاً، بل هو استسلام مبكر لواقع لم يفرض نفسه علينا تماماً بعد، والتقاعس تحت ذريعة “الأوضاع الراهنة” ليس إلا وجهاً آخر من وجوه الهزيمة.
علينا أن نتذكر دائماً أننا لا نعيش وحدنا في هذا الكوكب، فلدينا مسؤوليات جسيمة والتزامات تجاه عملاء وموردين، وتجاه موظفيها بالدرجة الأولى، الذين ترتبط أرزاقهم ومعيشتهم باستمرار أعمالنا، وينظرون إلينا كقادة لمراكبهم في وسط هذه الأمواج. إذا رأى الموظف أن مديره أو صاحب العمل مضطرب وخائف، فكيف نتوقع منه أن ينتج أو يشعر بالأمان؟ واجبنا الأخلاقي يحتم علينا أن نكون مصدر الطمأنينة لمن حولنا من عائلاتنا وموظفينا ومحيطنا كله، أن يروا فينا الثبات والاتزان، كما علينا أن نرى النصف الممتلئ من الكأس، كاستثمار في استقرار أسرنا وأعمالنا وصحة من حولنا.
أنا مؤمن بأنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، وهو ما أستند إليه في خروجي من المنزل يومياً، فالإيمان بذلك يمنحني السكينة والهدوء، ويجعلني أتحرك بيقين أن الحذر مطلوب لكن القدر نافذ، فلماذا نقضي أيامنا في سجن من القلق الوهمي؟ ما يحدث حولنا اليوم ليس سهلاً بلا شك، والتحديات كبيرة وموجودة، لكن التفاؤل هو الوقود الوحيد الذي سيوصلنا إلى بر الأمان.
لقد مررنا عبر التاريخ بأزمات وشدائد، وفي كل مرة كان الذين صمدوا هم أولئك الذين رفضوا الاستسلام للخوف، والذين واصلوا البناء والعمل حتى في أشد الظروف، وذلك فإني أنصح كل صاحب عمل، وكل موظف، وكل أب وأم، وكل طالب، ألا يجعلوا من هذه الأوضاع شماعة للكسل أو لتبرير التراجع، فالعمل عبادة، والاستمرار فيه في ظل الأزمات هو قمة الوفاء للوطن وللذات.
ما يزيد من طمأنينتي ويبدد أي ذرة قلق قد تتسلل لقلبي، هو شعوري العميق بالأمن الذي توفره دولنا الخليجية، وإيماني بأن قادة الخليج يسيرون الأمور بسلاسة وبكل جدارة، وأنهم سيقودون الدولة والمجتمع نحو بر الأمان بحكمة واقتدار، فإن قوة الدفاع تقوم بواجبها على أكمل وجه كونها الدرع الحصين للوطن للحفاظ على أمنه، ورجال وزارة الداخلية يسهرون ليل نهار لننعم نحن بهذا الهدوء الذي يسمح لنا بالذهاب لمكاتبنا والعودة لبيوتنا بسلام ونحن نعلم أن خلفنا رجال وهبوا أنفسهم لحماية تراب الوطن وضمان سير الحياة بشكلها الطبيعي رغم كل التحديات.
وما يبعث في النفس فخراً واستقراراً، هو ذلك المشهد الحيّ الذي نراه يومياً للتلاحم بين القيادة والشعب؛ حيث نجد جلالة الملك المعظم وسمو ولي العهد حفظهما الله، في تواصل مستمر وميداني مع الناس، يشاركونهم تطلعاتهم ويطمئنون على أحوالهم، بل ويشرفون بأنفسهم وبمتابعة حثيثة على كافة الملفات الحيوية، بدءاً من الأمور الدفاعية التي تصون حدودنا، وصولاً إلى الخدمات الصحية والخدمية التي تمس حياة المواطن اليومية. هذا الحضور المباشر ليس مجرد إدارة للأزمة، بل هو رسالة عملية بأن القائد في مقدمة الصفوف، مما يجعلنا نمضي في أعمالنا بيقين أن هناك عيناً ساهرة لا تغفل عن أدق التفاصيل لضمان استمرار حياتنا بأفضل صورة ممكنة.
ولعل أكثر ما رسخ في وجداننا الأمان والصمود مؤخراً هو تلك اللفتة الأبوية الحانية من جلالة الملك المعظم في زيارته للمصابين والجرحى جراء الهجمات الإيرانية العدائية الآثمة، إذ أن وقوف القائد بين جنوده وأبنائه في تلك اللحظات يرسل لنا رسالة طمأنينة وصلت لكل بيت في وطننا، مفادها أننا جميعاً الأولوية، وأن تضحيات هؤلاء الأبطال البواسل هي تاج على رؤوسنا، وحين نرى هذا التلاحم ندرك يقيناً أن دماءهم الطاهرة لم تذهب سدى، بل هي التي تمنحنا اليوم الحق في أن نمشي في شوارعنا بأمان، وأن نفتح مكاتبنا ونعمل بقوة وإصرار.
علينا أن نعي أن الاستقرار ليس حالة أمنية يتم الإعلان عنها، بل هو ثقافة شعب، يرفض الرضوخ والخنوع، فكلما تمسكنا باستقرارنا وواصلنا العمل والإنجاز، فإن ذلك يضيف لبنة جديدة في جدار الصمود الوطني، لذا لا ينبغي لنا أن ننتظر انتهاء الأزمات حتى نبدأ العيش، بل يجب أن نتعلم كيف نعيش وننجح وسط الأزمات، وتتماسك جبهتنا الداخلية، ونعي بأن التقاعس والجلوس في المنازل خوفاً هو ما يريده المتربصون بنا.
الحرب مهما طال أمدها ستنتهي يوماً ما، وغداً سيشرق واقع جديد، والسؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا الآن: كيف نريد أن نخرج من هذه الأزمة؟ هل نريد أن نخرج وقد تحطمت معنوياتنا وتعطلت مصالحنا وأصبحنا في ذيل القافلة بسبب تقاعسنا؟ أم نريد أن نخرج ونحن بكامل قوتنا، حافظنا على أعمالنا وموظفينا وأنجزنا التزاماتنا وخرجنا سالمين نفسياً وعملياً؟ إن الحفاظ على المسار الطبيعي للحياة هو الضمان الوحيد لعدم الانكسار بعد انتهاء الأزمة، والحياد عن هذا المسار لن يصب إلا في مصلحة العدو الذي لا يريد لنا الاستقرار. دعونا نواصل المسير، ونثق في قيادتنا، ونذهب إلى عملنا ونحن مطمئنين، وندرك أن العمل ومواصلة حياتنا بشكل طبيعي هو المخرج الوحيد من كل مخاوف النفس غير الحقيقية، وأن تلك الاعتداءات لن تكسر إرادتنا أو تعطل عجلة حياتنا اليومية.
