تتسع دائرة الحرب الأمريكية-الإسرائيلية الإيرانية بشكل مخيف لم يعد محصوراً في مناوشات أو صراعات إقليمية محدودة، فقد وصل القصف الإيراني إلى ما يقارب 12 دولة حتى الآن، بما فيها قبرص وتركيا، وامتدت الصواريخ لتطال أماكن لم نكن نتخيل دخولها خط النار بهذه السرعة، وهذا التمدد السريع هو انزلاق حر نحو هاوية لا يعرف أحد قرع قاعها، وهو ما يجعلني أقول بكل ثقة وهدوء: إننا اليوم أمام اختبار حقيقي للعقل، إنه وقت الحكماء ولا أحد غيرهم.
المشكلة الكبرى تكمن في أننا أمام طرفين لا يبدو أن التراجع موجود في قاموسهما الحالي، فإيران معروف أنها لا تأبه كثيراً بتبعات الاستمرار في مثل هذه المواجهات، فهي ترى في التصعيد وسيلة لفرض وجودها وإقحام جيرانها في اضطرابات وصراعات، حتى لو كان الثمن استنزاف موارد المنطقة واستقرارها وتعطّل اقتصادها نفسه، وفي المقابل ترفض إسرائيل بالطبع فكرة الاستسلام أو التراجع أمام ما تعتبره تهديداً وجودياً، مما يضعنا في حلقة مفرغة من الفعل ورد الفعل، وهذا العناد المتبادل هو ما يجعل التنبؤ بنهاية هذا الصراع أشبه بضرب من الخيال.
والعجيب أن ترامب الآن يطالب الدول المستفيدة من مرور سفنها عبر مضيق هرمز بالمشاركة في تأمين الملاحة في هذا الممر الحيوي، أو بالأحرى يدعوها للدخول في الحرب، فإن دفع الدول لتأمين ممر يغلي بالصراعات يعني وضعها في مواجهة مباشرة مع التهديدات الإيرانية، وهو ما قد يفجر الموقف تماماً، وطبعاً القوى العظمى كروسيا والصين لا تغيب عن هذا المشهد؛ فالاتهامات تلاحقها بتقديم دعم استخباري، على الأقل، للجانب الإيراني، ولا شك في أن هذا التشابك الحاصل على المستوى الدولي بوجود أقطاب عالمية تدعم أطراف النزاع، ينذر بما هو أخطر من مجرد حرب أو أزمة، إنه ينذر بحرب عالمية تلوح في الأفق.
حين أتأمل في هذا المشهد الضبابي، أجد أن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق من يملكون القدرة على كبح الجماح، فهذا هو وقت الحكماء داخل حلف النيتو، ودول مثل تركيا وإسبانيا وغيرها، التي تملك قنوات اتصال ورؤية متزنة، هؤلاء عليهم أن يفرضوا واقع سياسي جديد يقوم على تفكيك الأزمات، بموقعهم الجيوسياسي الفريد وقدرتهم على التحدث مع الشرق والغرب، وفتح ممرات دبلوماسية خلفية تضع الخطوط الحمراء لمنع المزيد من التصادم المباشر الذي قد يفاقم الوضع الحالي.
على جميع الدول المنخرطة في هذه الحرب أن تنظر بتمعن إلى التجربة الملهمة لدول الخليج العربي، التي رغم أنها تتألم بشدة من الاعتداءات الإيرانية المستمرة والتهديدات المباشرة لأمنها واستقرارها، إلا أنها حتى هذه اللحظة تؤثر التحلي بأعلى درجات ضبط النفس، وهو نموذج مثالي في التعامل مع الاستفزازات ليس ضعفاً، بل هو قمة الحكمة في حماية الشعوب والمكتسبات التنموية من الجنون الذي يجتاح المنطقة.
وعلى الجانب الآخر، نرى الأذرع الإيرانية في لبنان والعراق وحتى اليمن، وهي تحاول بكل قوتها توسعة فتيل الصراع وشد الأطراف إلى الحلبة، فهؤلاء يدركون جيداً في قرارة أنفسهم أنهم يخوضون معركتهم الأخيرة، وحين يشعر الطرف بأنه محاصر وأن أوراقه بدأت تتساقط، فإنه يسعى لقلب الطاولة فوق رؤوس الجميع، فجميعنا نعلم أن هذه الأذرع لا تتحرك من أجل قضايا وطنية أو دينية كما تدعي بل هي أدوات في مشروع أكبر، ومحاولاتهم لجر المنطقة إلى صراع شامل هي لعبة مدروسة واضحة، مما يضع العالم أمام ضرورة عزل هذه الصراعات ومنعها من الانتشار.
كثيراً ما نسمع في كتب التاريخ عن المنتصرين أو الطرف المنتصر في الحروب، ودائماً ما يُقال إن الحلفاء هم من انتصروا في الحرب العالمية الثانية، لكن اسمحوا لي أن أقول، من واقع خبرتي وقراءتي للتاريخ وتأملي في مآلات الصراعات، أن هذا التصور خاطئ تماماً، ففي الحروب الكبرى، العالم كله يخسر، ولا يوجد منتصر حقيقي. خذوا الاتحاد السوفيتي كمثال، نعم، جلس في مقاعد المنتصرين، لكنه خسر نحو 15% من سكانه، وفقد ملايين الجنود في الميدان، وهي خسارة بشرية واجتماعية لا تعوضها أية مكاسب سياسية. بريطانيا أيضاً خرجت منتصرة اسمياً، لكنها انتصرت مدمرة اقتصادياً ومنهكة عسكرياً، وأمريكا أيضاً، التي نالت نصيب الأسد من النفوذ، فقد تلطخت يداها بدماء اليابانيين الأبرياء الذين قصفوا بالنووي، وهو جرح في ضمير الإنسانية لا يندمل.
لذا فإن الدرس الذي يجب أن نتعلمه اليوم هو أن الانتصار في الحرب هو وهم كبير، والثمن دائماً ما يُدفع من دماء الشعوب ومستقبل الأجيال.. إننا في هذه المرحلة الحساسة مطالبون بأن نشد من أزر بعضنا البعض، وأن ندعم قيادتنا التي تنتهج طريق العقل والهدوء والحكمة والشجاعة في اتخاذ القرار الصعب في الوقت الذي يصرخ فيه الجميع، علينا أن نلتف حول الرؤية التي تحمي بلادنا من الانزلاق في صراعات الآخرين، وأن ندرك أن استقرارنا هو رأس مالنا الحقيقي اليوم.
علينا أن نكون واقعيين، وأن ندرك حقيقة أن الشعوب هي التي تدفع الفاتورة الحقيقية من أمنها ومعيشتها في النهاية، وأن وهم القوة المطلقة الذي يسيطر على بعض الأطراف يجعلهم يتناسون أن الحرب دمار حقيقي للجميع، وأن الانتصارات العسكرية غالباً ما تتحول إلى هزائم استراتيجية طويلة الأمد. إن ما نراه اليوم من سباق نحو التسلح وتوسيع رقعة القصف ليس دليل قوة بقدر ما هو دليل على عجز الدبلوماسية وفشل لغة العقل والحوار، لأن القوة الحقيقية لا تكمن في كمية أو نوعية الأسلحة التي تملكها دولة ما، وإنما ما تملكه من حكمة ورؤية وفكر لمحاولة وقف هذه الأسلحة من الاعتداء على سيادتها وشعبها.
إن ما نحتاجه اليوم ليس المزيد من السلاح أو الخطابات والكلام، بل نحتاج إلى تلك العقول الهادئة التي تقرأ ما بين السطور وتعرف متى تتقدم ومتى تتراجع. لنقف صفاً واحداً خلف خيار السلام، ولنثق بأن هذه الغمة ستنزاح إذا ما تمسكنا بمنطق العقل والتروي، بعيداً عن صخب الصواريخ والأسلحة التي لا تجلب سوى الدمار، إنها معركة وعي قبل أن تكون معركة مدافع، والوعي هو سلاحنا الأقوى في هذا الوقت الصعب.
