الضربة التي لا تقتلك تقويك

لست بصدد القول من المتسبب الأساسي فيما نشهده اليوم من أحداث مؤلمة، ولا يهمنا اليوم توزيع الاتهامات، لكنني أعلم يقيناً أننا لا نحتاج لأن نكون في هذا الوضع الصعب الذي نعيشه حالياً، فمن المؤسف حقاً أن نرى الأمور وقد انجرفت نحو حرب مجنونة طالت نيرانها حتى الآن أكثر من 15 دولة، وأن تضيع الجهود في صراعات لا تجلب إلا الدمار، بينما كان من الممكن أن توجه كل تلك الطاقات نحو البناء والإعمار، والحقيقة التي ندركها بوضوح اليوم هي أن الجميع في مأزق؛ فإيران في مأزق، وأمريكا في مأزق، وإسرائيل في مأزق، وبالتأكيد دول الخليج ليست بمعزل عن هذا الضيق الذي يلف المنطقة.

ومع ذلك، أقولها بملء الفم وبكل ثقة أنه لا داعي للقلق المبالغ فيه، ولا ينبغي أن نترك الخوف يتسلل إلى قلوبنا، والواقع أنه لو كان الأمر بيد دول الخليج وحدها، لما قامت حرب، ولما سُفكت قطرة دم واحدة، فنحن في الخليج، وبكل بساطة ووضوح، ليس لدينا أطماع في أحد، ولا نسعى لتوسيع نفوذ جغرافي، ولا نريد أن نملي آراءنا أو قناعاتنا على الآخرين، ودائماً نقول “لكم دينكم ولي دين” و”حي على البناء”.

إن أعظم المآسي التي يمكن أن يعيشها الإنسان هي أن يرى الصروح التي بناها بجهد السنين، والنهضة التي شيدها بعزيمته، تنهار أمام عينيه بسبب قرارات طائشة لا ناقة له فيها ولا جمل، وبالرغم من أنني أعلم أن المأزق قد يكون أشد وطأة في أماكن أخرى مثل إسرائيل أو إيران، إلا أنني وبكل صراحة، وكما يقول المثل “بعد حشيشي ما ينبت حشيش”، فإن اهتمامي الأول والأخير هو أمن بلدي واستقرار بيتي وازدهار مجتمعي، وما وراء ذلك يأتي في مرتبة تالية.

الأهم من كل هذه الحسابات السياسية والاقتصادية هو أن نبقى مؤمنين بالله سبحانه وتعالى إيماناً راسخاً لا يتزعزع، فهو سبحانه الذي أعطانا هذه الروح وهو الذي يأخذها في الوقت الذي يشاء، فلماذا الخوف من الغد؟ هذا الإيمان هو الدرع الحقيقي الذي يحمينا من الانهيار النفسي، لكن الإيمان لا يعني التواكل، بل علينا أن نحذر، وأن نلتزم بالتعليمات الرسمية، وألا ننساق خلف الشائعات والأقاويل التي تملأ الفضاء الإلكتروني وتهدف إلى زعزعة الاستقرار الداخلي.

لقد غادر ثلاثة من أصدقائي البحرين عن طريق الرياض، ودعوني بإلحاح لمرافقتهم، منهم من أخذ عائلته معه ومنهم من تركهم خلفه بحثاً عن مكان يراه أكثر أماناً، وقد كانت إجابتي لهم واضحة ونابعة من قناعة داخلية صلبة وهي أنني أؤمن بمشيئة الله، وملتزم بهذا الوطن الذي أعطاني الكثير، وملتزم تجاه أهلي، وتجاه كل فرد يعمل في شركاتي ويعتمد عليّ في رزقه، فالهروب ليس حلاً، بل الصمود والبقاء هو ما يصنع الفارق في وقت الأزمات، وفي والواقع فإن هذا الموقف جعلني أفكر بصدق وعمق في معنى الانتماء وحب الوطن.

إن الصبر والدعاء هما اللذان نتوجه بهما إلى الله سبحانه وتعالى ليحيدنا لأفضل طريق ويخرجنا من هذه الظلمة إلى النور، وبصفتي رجل أعمال يعمل في قلب الاقتصاد، أرى الكثيرين من حولي يسكنهم الخوف على استثماراتهم وأموالهم، لكنني بطبيعتي إنسان متفائل، ولست خائفاً مما نعيشه في الوضع الراهن، والتاريخ أيضاًعلمنا أن الأزمات الكبرى هي التي تولد الفرص العظيمة، وأنا أؤمن تماماً بأننا سنخرج من هذه الأزمة أقوى من أي وقت مضى، فاقتصادنا ليس هشاً، وصادراتنا ومنتجاتنا هي شريان حياة يحتاجه العالم بأجمعه، ولن يتخلى العالم عن هذا الشريان بسهولة.

نحن نعيش في زمن يتطلب منا وحدة الصف أكثر من أي وقت مضى، والخليج اليوم يثبت للعالم أنه نضج بما يكفي ليدير أزماته بحكمة وهدوء، بعيداً عن الانفعالات والطائفية التي قد تخدم أعداءنا، فحين نرى التكاتف بين دولنا، وحين نشاهد المواطن والمقيم يعملان جنباً إلى جنب في المصانع والمكاتب رغم كل الضجيج الخارجي، نعلم أننا بخير، وهذه الروح هي التي ستجعلنا نعود ليس فقط كما كنا، بل أفضل بكثير.

حاجة العالم للنفط والطاقة قد تكون هي المحرك الأكبر الذي يجبر الجميع، مهما بلغت قوتهم، على وقف هذه الحرب، فلا أمريكا ولا غيرها يستطيعون تحمل تبعات توقف الإمدادات أو انهيار المنظومة الاقتصادية العالمية المرتبطة بمنطقتنا، كما أن ارتفاع أسعار الوقود في أوروبا والضغوط التي نتجت عن ذلك قد يؤدي إلى تدخل المزيد من القوى لوضع إسرائيل وإيران على طاولة المفاوضات، لأن انهيار المنظومة الاقتصادية العالمية المرتبطة جوهرياً بمنطقتنا يعني دخول العالم في نفق مظلم من الكساد والاضطرابات الاجتماعية.

ما نمر به اليوم هو اختبار حقيقي لمدى تماسكنا المجتمعي وقوة جبهتنا الداخلية، فالأزمات لا تكشف فقط عن المشاكل، بل تكشف أيضاً عن معادن الناس وعن مدى عمق الروابط التي تجمعنا، وفي الحقيقة حين أرى التزام الشعب البحريني وهدوءه في مواجهة التحديات، تزداد ثقتي بأننا نسير في الاتجاه الصحيح. الاقتصاد قد يهتز لفترة، والأسواق والتجارة قد تضطرب، لكن القوة البشرية والعزيمة الوطنية هي رأس المال الحقيقي الذي لا ينضب، ونحن لا نتحدث عن ذلك من فراغ بل بناءً على معطيات واقعية وتجارب سابقة أثبتت أننا نخرج من كل محنة بدرس جديد وقدرات أكبر.

لذا، رسالتي إليكم يا إخواني وأخواتي، هي رسالة طمأنينة وواقعية، لا تتركوا القلق يسرق منكم نومكم أو يشتت شملكم، فنحن نعيش في منطقة قدرها أن تكون دائماً في قلب الأحداث، لكن قدرها أيضاً أنها تمتلك من المرونة والقوة ما يجعلها تصمد صمود الجبال في وقت الأزمات، وإن الضربة التي نمر بها اليوم، مهما كانت موجعة، فهي الضربة التي ستصقل معدننا وتزيدنا صلابة. سنعود أقوى، وسنواصل البناء والتعمير، وسنثبت للعالم أن إرادة الحياة والبناء أقوى بكثير من صواريخ الحروب، تذكروا دائماً أن الاستقرار يبدأ من الداخل، من ثقتنا بأنفسنا، وبقيادتنا الرشيدة، وقوة دفاعنا، وبقدرتنا على تجاوز الصعاب بالعمل والجهد لا بالخوف والترقب.. اطمئنوا، فالغد يحمل في طياته بشائر الخير، وهذه الغمة ستنزاح بإذن الله، لنرى خليجنا أكثر إشراقاً وازدهاراً، مستندين إلى إرثنا العريق وتطلعنا الدائم نحو مستقبل أفضل لكل أجيالنا القادمة.

بواسطة akmiknas

أضف تعليق