عندما أجلس اليوم لأتأمل مشهد الطيران في البحرين، لا أستطيع منع ذاكرتي من العودة إلى تلك البدايات الأولى، الأيام التي كانت فيها البحرين هي البوابة الوحيدة للطيران في المنطقة، فقد عاصرت العصر الذهبي لطيران الخليج حين كانت أول شركة طيران على مستوى الخليج، وعملت معها عن قرب لسنوات طويلة، حتى فهمت صناعة الطيران، وعرفت خباياها وتحدياتها، وكيف يمكن لقطاع الطيران أن يكون المحرك الفعلي لاقتصاد أي دولة، ومن واقع هذه الخبرة الطويلة، أستطيع أن أقول أن البحرين اليوم على الطريق الصحيح في تطوير صناعة الطيران، وتتجه نحو آفاق أوسع من تحقيق المزيد من التميز والريادة في القطاع.
لقد حمل لنا الأسبوع الماضي أخباراً سعيدة تثلج الصدر، تمثّل تحولات استراتيجية كبرى سيتحدث عنها الجميع لسنوات قادمة، الحدث الأول الذي استوقفني هو اختيار شركة “طيران آسيا” للبحرين لتكون أول مركز عالمي لها خارج القارة الآسيوية، ومن يعرف حجم هذه الشركة يدرك تماماً أننا نتحدث عن شركة عملاقة تسير رحلاتها إلى نحو 150 وجهة حول العالم، ولا شك في أن اختيار البحرين هو تكريم واعتراف بموقعنا الجغرافي الفريد وبنيتنا التحتية المتطورة، فالبحرين اليوم ستصبح الجسر الاستراتيجي الذي يربط شبكة هذه الشركة الواسعة في الشرق الأقصى بالأسواق الأوروبية، وهذا يعني أن مطارنا الدولي سيتحول إلى خلية نحل لا تهدأ، ليربط بين ثقافات واقتصادات كانت المسافات بينها بعيدة جداً.
الجميل في الموضوع هو أن التعاون مع “طيران آسيا” لا يقتصر على مجرد نقل مسافرين، بل يمتد إلى إنشاء منشأة صيانة ضخمة لدعم نمو أسطول الطائرات في المنطقة، تضم 14 موقفاً للطائرات، وفي الواقع فإن مثل هذه المنشآت هي ما نحتاجه دائماً، فخلق مركز للصيانة يعني توطين التكنولوجيا، ويعني فرص عمل نوعية لأبنائنا وبناتنا من المهندسين والفنيين البحرينيين، ويعني أيضاً تحويل البحرين إلى وجهة إقليمية للخدمات اللوجستية والهندسة الجوية، بما سيسهم في صنع بيئة متكاملة لصناعة الطيران، وهذا هو الفرق بين العمل التقليدي والعمل الاستراتيجي الذي نراه اليوم في جميع القطاعات بالمملكة.
والخبر السار الثاني هو الإعلان عن الاستراتيجية الوطنية للطيران (2026–2027)، والتي تعتبر توجهاً حكيماً يؤكد أننا نسير وفق خطة مدروسة بعناية فيما يتعلق بتطوير قطاع الطيران، كما أنها تجسيد لالتزام البحرين بتعزيز مكانتها كمركز إقليمي وعالمي رائد في المجال، ومن واقع عملي السابق، أعلم أن قطاع الطيران هو قطاع الشركاء، فلا يمكن لجهة واحدة أن تنجح بمفردها، وما نراه اليوم من تناغم بين وزارة المواصلات والاتصالات، وشركة مطار البحرين، وطيران الخليج، ومطار البحرين الدولي، والشركاء الدوليين، يثبت أن هناك وحدة في الرؤية والهدف.
ولعل أهم ما يميز الاستراتيجية هو أنها حددت أرقاماً واقعية وطموحة تعكس رغبة البحرين في استعادة ريادتها، ومواصلة ترسيخ وضعها في صدارة وجهات الطيران العالمية، حيث تستهدف الاستراتيجية توسيع شبكة الوجهات الجوية من 66 وجهة حالية لتصل إلى 100 وجهة بحلول عام 2030، وهذا الرقم سيشكّل توسعاً مدروساً لربط البحرين بأسواق استراتيجية جديدة تخدم الحركة التجارية والسياحية، مما ينعكس بشكل مباشر وفوري على زيادة مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي، وخلق آلاف الفرص الوظيفية النوعية لأبنائنا في تخصصات دقيقة ومجزية.
كما أن الركيزة الأهم في هذه الاستراتيجية هي مبدأ الاستجابة لاحتياجات السوق، وهذا المصطلح بلغة أهل الصنعة يعني الخروج من النمط التقليدي للتشغيل والتحول نحو المرونة التامة، أي أن الدولة والشركات العاملة فيها لم تعد تكتفي بانتظار المسافرين، بل تدرس حركة الاقتصاد العالمي والطلب المتغير، وتكيّف خدماتها اللوجستية وجداول رحلاتها لتلائم ما يحتاجه المستثمر والسائح والتاجر اليوم، وهذا يعني أن كل مسار جديد يتم افتتاحه وكل اتفاقية يتم توقيعها هي استجابة لفرصة اقتصادية حقيقية رصدها صنّاع القرار، مما يضمن أن يكون نمونا في قطاع الطيران مبنياً على أساس ربحي واستدامة تجعل من مطار البحرين الخيار الأول والأكثر ذكاءًا في المنطقة.
إن أهمية هذه الخطوات التي تم اتخاذها مؤخراً تكمن في قدرتها على تنويع مصادر الدخل وخلق اقتصاد مستدام، فعندما نتحدث عن ربط آسيا بأوروبا عبر البحرين، فنحن نتحدث عن نمو في قطاع السياحة، ونمو في قطاع الشحن الجوي، ونمو في قطاع الضيافة والتجزئة، فالبحرين كانت دائماً رائدة، واليوم نراها تستعيد هذا الدور بروح عصرية تواكب متطلبات القرن الحادي والعشرين، ومن خلال متابعتي للسوق، أرى أن الشركات العالمية أصبحت تبحث عن الموثوقية والسرعة في الإجراءات، وهذا بالضبط ما توفره البحرين اليوم، مما يجعلها الخيار الأول للاستثمارات الكبرى في هذا المجال.
الجميل في هذا التوجه الجديد أنه يمس كل الجوانب الاقتصادية بذكاء، فعندما نبني مرافق صيانة بهذا الحجم، نحن نرسل رسالة للعالم بأن الكوادر البحرينية جاهزة للتعامل مع أحدث التقنيات في هندسة الطيران، وهذا بحد ذاته فخر لنا جميعاً، ويعيد للأذهان تلك الأيام الجميلة التي كان فيها الفني البحريني هو المرجع الأول في المنطقة، وعندما نكون مركزاً عالمياً لشركة مثل “طيران آسيا” فنحن أيضاً نؤكد للعالم أننا أهل للثقة ونتمتع بالجدارة والكفاءة لنكون جسراً حيوياً بين الدول.
أشعر بتفاؤل كبير وأنا أرى البحرين تتلمس طريقها في صناعة الطيران بهذه القوة والوضوح، فقد أصبحنا اليوم وجهة لا يمكن تجاوزها في خارطة الطيران الدولية، وما تحقق في الأسبوع الماضي هو مجرد بداية لعهد جديد من التميز والإنجاز، نحن لا ننافس أحداً بل نصنع مسارنا الخاص بنا، مساراً يعتمد على الجودة، والموقع الاستراتيجي، والخبرة المتراكمة التي تمتد لعقود.
أي شخص يرصد ما تحققه البحرين الآن، يستطيع القول أننا أمام مرحلة ذهبية كبرى، قائمة على أسس مؤسسية واستراتيجية أكثر متانة، والاستراتيجية الوطنية للطيران ستكون هي البوصلة التي ستضمن لنا استمرارية هذا النجاح. يجب علينا اليوم كبحرينيين عاصرنا هذا القطاع في مختلف مراحله، أن نفخر بما يتم إنجازه اليوم، وأن نتطلع إلى غدٍ تكون فيه البحرين، كما كانت دائماً، عاصمة الطيران في المنطقة ومركزاً عالمياً يربط الشرق بالغرب.
