ما يحدث في العالم اليوم يبرهن، مرة بعد مرة، أن القوة هي الأساس الذي تُبنى عليه السياسات وتُرسم به حدود النفوذ، فمن لا يمتلك القوة، لا الدفاعية فقط بل الهجومية أيضاً، يجد نفسه مكشوفاً، عرضة للضغط والابتزاز، مهما كانت نواياه حسنة أو خطابه أخلاقياً، فالعالم لا يُدار بالمثاليات والكلام بل بتوازنات الردع، ومن يفتقد أدوات القوة لا يُؤخذ على محمل الجد، ولا يُحسب له حساب في لحظات الحسم.
لهذا أجد نفسي أحياناً أفكر، وبشيء من السخرية الجدية، أن تسمية وزارات الدفاع لم تعد دقيقة وصحيحة، فالأجدر أن نسميها “وزارات الهجوم”، لأن التجارب المعاصرة تقول إن ما يسمى دفاعاً هو في حقيقته استعداد للهجوم، أو قدرة على المبادرة، أو على الأقل إقناع الخصم بأنك قادر على الرد إن لزم الأمر، فحين تمتلك قوة كافية، يصبح الهجوم في كثير من الأحيان غير ضروري، لأن الردع وحده يكفي، أما حين تغيب القوة، فلا رادع حقيقي يمنع الآخرين من التقدم عليك، ولو تحت ألف ذريعة.
خذ ما جرى في غزة مثالاً على ذلك، إسرائيل ادّعت منذ اليوم الأول أن حربها دفاعية، لكن الوقائع على الأرض، وحجم الدمار، وطبيعة الأهداف، تشير بوضوح إلى أن المسألة لم تكن دفاعاً بقدر ما كانت مشروع سياسي وعسكري مبيت، بل إن هناك من يذهب أبعد من ذلك ويتساءل عمّا إذا كان نتنياهو قد سمح بحدوث طوفان الأقصى، وإن لم يتوقع هذا الحجم من الخسائر، لكنه في النهاية خرج بأرباح سياسية داخلية، وحقق أهدافه التوسعية، كما أننا اليوم نسمع حديثاً متزايداً عن تحويل غزة إلى “ريفيرا”، وهو المشروع الذي طرحه ترامب لنقل سكان غزة إلى دول مجاورة تحت ذريعة تحويل القطاع إلى وجهة سياحية عالمية تحت هذا الاسم.
روسيا أيضاً على سبيل المثال، تقدم حربها في أوكرانيا على أنها دفاع عن أمنها القومي في مواجهة تمدد خطر الناتو، لكن المؤكد أن لها أطماعاً في أوكرانيا تتجاوز البعد الأمني، أطماعاً في الموارد الطبيعية الهائلة المخزونة تحت الأرض، من معادن ثمينة نادرة وأساسية للصناعات المتقدمة، وهي موارد باتت اليوم عملة استراتيجية لا تقل أهمية عن النفط في القرن الماضي، لذا فما حدث في أوكرانيا، وما سبقه وما تلاه، يؤكد أن منطق القوة هو المحرك الأساسي لسلوك الدول الكبرى.
خلال السنوات العشر الماضية، شهدنا سلسلة أحداث عالمية تؤكد هذه الحقيقة، سباق تسلح متسارع، وميزانيات عسكرية تكبر، واستثمارات ضخمة في تطوير أسلحة هجومية متقدمة، لذلك لا أجد من المنطقي أن نلوم روسيا أو الصين أو غيرهما من القوى الكبرى على تعزيز ترساناتها العسكرية وتفعيل قدراتها في المواجهة وليس الدفاع، فهذا هو منطق النظام الدولي القائم.
نحمد الله أن الجيش المصري قوي ومتماسك، وإلا كانت إسرائيل رمت فلسطينيي قطاع غزة في سيناء، والقوة هنا عندما نتحدث عن الجيش المصري لم تكن أداة عدوان بالطبع، بل صمام أمان حال دون فرض واقع كارثي جديد على غزة والمنطقة بأكملها، والسودان بدوره سار في مسار مشابه، إذ أصبحت القوة عاملاً حاسماً في الصراع على وحدة الدولة وبقائها، وأنا على يقين بأن ما تفعله السعودية حالياً في السودان، هو بهدف وحدة السودان، لأن السودان الموحد والقوي يخدم الأمن القومي العربي، ويخدم السعودية نفسها، والمنطق ذاته ينطبق على الموقف من سوريا، فالدفاع عن سوريا وتقويتها يصب في مصلحة استقرار المنطقة ككل، وأنا متأكد أن السعودية تحمل الرؤية نفسها تجاه اليمن، يمن مستقر، موحد، وقادر على الخروج من دائرة الحرب.
وما شهدناه في الفترة الأخيرة في أمريكا الجنوبية، من اعتقال رئيس فنزويلا، والتهديدات الخارجية لكولومبيا وكوبا، يندرج في الإطار نفسه، فالجميع يعلم أن وراء هذه الاضطرابات أهداف اقتصادية واضحة، حتى وإن وُضعت تحت عناوين كبيرة مثل مكافحة الإرهاب أو الجريمة.
ويبدو أن أمريكا بعد أن أنهت ملف فنزويلا، وأظهرت مرة أخرى حجم أساطيلها وقدرتها كأكبر قوة عسكرية، أصبحت بوصلتها اليوم متجهة نحو إيران، ورغم التهديدات الإيرانية المتكررة بإغلاق مضائق أو ضرب قواعد أمريكية أو قصف إسرائيل، إلا أنها لم لم تعد تخيف أمريكا أو إسرائيل بقدر ما ترهب شعوب المنطقة فقط. وبالنظر إلى المجريات الحالية، لا يمكننا استبعاد أن تكون أمريكا قد أعدّت بدائل بالفعل للطبقة الحاكمة في إيران، كما فعلت في فنزويلا.
نحمد الله أن أمريكا تراعي أصدقائها في الخليج والمنطقة، وذلك لأننا ندرك حجم أمريكا كقوة وأن المراهنة ضدها لن تفيد، أما الصين فهي غير مهتمة بشؤون العالم ولا تخلق المشاكل لتتدخل في حلها، وروسيا أثبت التاريخ أنها لا يمكن التعويل عليها طويلاً كحليف كما حدث مع عبد الناصر وغيره من الدول العربية. واليوم كما نرى، يقود أمريكا تاجر، لا يجيد المجاملات، رجل صفقات واضح في مواقفه، يضع كل إمكاناته خلف قراراته، ولا يقبل في النهاية إلا أن ينفذ ما يريد ويخرج بأقصى ما يمكن تحقيقه.
ومؤخراً رأينا المناورات العسكرية المشتركة التي تجريها أمريكا والجيش الإسرائيلي في البحر الأحمر، لأن أمريكا تريد تعزيز وجودها البحري في الشرق الأوسط بعد تهديدات ترامب بالتدخل إذا لم توافق إيران على إبرام اتفاق نووي أو لم تتوقف عن قتل المتظاهرين، ولذا فمن المرجح أن ترامب سيترك باب التفاوض مفتوحاً مع النظام الإيراني أو أعضاء فيه، ومهما كانت النتائج نحمد الله على أننا في الخليج في صداقة مع أمريكا منذ البداية، فصداقة أمريكا قد تكون مكلفة لكن عدائها أكثر تكلفة.
الخليج نعمة، فنحن لا نسعى لأي عدوان أو حروب كالكثير من الدول الأخرى، وأهدافنا واضحة للجميع، وهي الحفاظ على الأمن، والاستقرار، والازدهار، والمساواة، وعدم الاعتداء على أحد، كما كان الخليج وسيبقى دوماً، لكن هذه الأهداف أيضاً مدعومة بقوة تحرسها، وتمنع العبث بها، فنحن نمتلك من الوعي السياسي ما يجعلنا نعرف متى نتحرك ومتى نضبط النفس، ونمتلك من الإمكانات ما يكفي لردع أي محاولة للمساس بأمننا أو استقرارنا، كما نمتلك القوة الاقتصادية والعسكرية التي تحسدنا عليها الدول الأخرى، وهذه القوة هي ليست للهيمنة كما تفعل بعض الدول الأخرى، بل لحماية مكتسباتنا وسيادتنا، وضمان أن يبقى قرارنا بأيدينا لا بيد غيرنا.
