تربطني علاقة صداقة وثيقة أعتز بها مع معالي الشيخ راشد بن خليفة آل خليفة، رجل الدولة الذي أبدع وأعطى وطنه بإخلاص في كل المجالات التي خدم فيها، لكنه تميز بشكل خاص بأنه أيضاً فنان، نجح في أن يترك أثراً ممتداً بمسيرة فنية حافلة تفخر بها البحرين والأجيال الحالية والقادمة من أبناء هذا الوطن.
عرفت الشيخ راشد منذ ثمانينيات القرن الماضي، في مراحل مختلفة من مسيرته، حين تولّى مهام عديدة في قطاعات كالسياحة والضيافة، ومناصب حساسة أخرى في شؤون الجنسية والجوازات والإقامة، وغيرها من المواقع التي تتطلب دقة وحكمة وحساً عالياً بالمسؤولية، وفي كل تلك المواقع، كان مثالاً لرجل الدولة المتزن، القريب من الناس، المحب للعمل، والمؤمن بأن الخدمة العامة رسالة سامية، وما يلفت الانتباه أن هذه الروح الإنسانية، وهذا العمق في التعامل مع الآخرين، يظهران بوضوح في فنه، وكأن الفن كان دائماً امتداداً لشخصيته وصفاته. وما يميز مسيرة الشيخ راشد الفنية، في رأيي، أنه لم يتعامل مع الفن كهواية، بل كمسار إبداعي متكامل، استطاع من خلاله أن يطور لغة بصرية خاصة، وأن يقدم أعمالاً تحمل بصمته الخاصة.
لطالما كنت طوال حياتي مهتماً بالفن، وزرت الكثير من المتاحف والمعارض في عواصم مختلفة حول العالم، ولدي مقتنيات من أعمال فنية أعتز بها، وهذا ما يجعلني أقول بثقة إنني أستطيع التمييز بين الفنان الجيد، والفنان الممتاز، والفنان الذي ينتمي إلى فئة النخبة، والشيخ راشد، من وجهة نظري، ينتمي بجدارة إلى فئة النخبة من الفنانين على مستوى البحرين والمنطقة والعالم، فئة الفنانين الذين لا يكررون أنفسهم، ويصنعون مسارهم الخاص، تاركين أثراً طويل الأمد. إن أعمال الشيخ راشد لا تُشاهد فقط، بل تُقرأ وتُحس، فيها عمق، وتأمل، وحوار صامت، وهو بذلك لا يقدم أعمال فنية فقط، بل يفتح أبواب التأمل أمام كل من يقف أمام أعماله، مهما كان مستوى معرفته الفنية، وهذا في رأيي هو أحد أهم عناصر الفن الحقيقي، أن يكون صادقاً، وقادراً على التواصل مع المشاهد.
وقد تشرفت بحضور افتتاح معرض مجموعة راشد بن خليفة الفنية، برعاية صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد ال خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله، في دلالة واضحة على الاهتمام الذي توليه قيادتنا، وسمو ولي العهد تحديداً، بالأعمال الفنية الرفيعة التي تبرز وجه البحرين الثقافي والحضاري، كما كانت هذه الرعاية بمثابة رسالة واضحة بأن الفن جزء أصيل من المسيرة التنموية الشاملة، وأن الإبداع يحظى بالتقدير والدعم على أعلى المستويات، فحين تحظى الثقافة بهذا الاهتمام، ينعكس ذلك حتماً على المجتمع، ويعزز مكانة البحرين كحاضنة للفن والفنانين.
كما أن الحضور اللافت من الشخصيات الحكومية، والقطاع الخاص، والمهتمين بالشأن الثقافي والفني، قد أكد بدوره أن البحرين تمتلك ذائقة فنية حقيقية، وأن الحركة الفنية فيها ليست هامشية، كما أن هذا التفاعل الواسع من جميع القطاعات يعكس وعياً متزايداً بأهمية الفن كقوة، وكجسر تواصل بين الماضي والحاضر، وبين البحرين والعالم، فالفن في نهاية المطاف هو لغة عالمية، وحين يكون لدينا فنانون بحجم وتجربة معالي الشيخ راشد بن خليفة آل خليفة، فإننا نمتلك أداة قوية ومؤثرة لتعريف العالم بهويتنا وثقافتنا.
ما يبعث على الفخر أيضاً أن هذا المعرض لا يكتفي بعرض أعمال فنية، بل يقدم تجربة متكاملة، تحكي قصة مسيرة، وتوثق رحلة إبداع، وتضع بين أيدي الأجيال القادمة إرثاً فنياً يمكن العودة إليه، والتعلم منه، واستلهامه في مختلف مجالات العمل والحياة، إنها شهادة حية على أن العطاء لا ينتهي بانتهاء المنصب، وأن ما يبقى هو الأثر، والفكرة، والجمال. ولا بد أيضا من الإشارة للمتحف الرائع الذي أقامه الشيخ راشد، إنه مكان خارج عن التصور، وأقرب بجماله إلى الخيال.
لا شك في أن البحرين بحاجة فعلية ودائمة لمثل هذه المشاريع الفنية النوعية، التي تعيد التأكيد على دورها التاريخي كمنبر للثقافة والحوار الحضاري والانفتاح على الآخر، فمنذ عقود، كانت البحرين مساحة للتلاقي بين الثقافات والأفكار، واحتضنت الفنون بمختلف أشكالها بوصفها لغة إنسانية جامعة، وقد حافظت باقتدار على هذه المكانة الرائدة على الخارطة الثقافية والفنية مع استمرار المبادرات والمعارض الفنية الرفيعة، باعتبارها دولة حاضنة للإبداع، تمتلك بيئة محفزة على التفكير، وقادرة على إنتاج مشاريع ثقافية متكاملة تواكب العصر وتحافظ في الوقت نفسه على روح الوطن وتاريخه.
الفن بطبيعته يستمد قوته وصدقه من تواصله مع تاريخه وثقافته، وهذه هي الرؤية الفنية التي تجدها في المعرض، فالإبداع الحقيقي لا ينفصل عن المكان الذي وُلد فيه، بل يتغذى من تفاصيله وقصصه وتحولاته، ويعيد صياغتها بلغة معاصرة يفهمها العالم، وهذه الروح حاضرة بوضوح في أعمال المعرض، حيث نلمس توازناً جميلاً بين الحداثة والجذور، وهو ما يؤكد أن الفن حين ينطلق من ثقافته يكون أكثر قدرة على التأثير، وأكثر رسوخاً في الذاكرة.
ولعلي أغتنم هذه الفرصة للتوقف عند الدور الأوسع الذي تلعبه المعارض الفنية بشكل عام في إثراء المشهد الثقافي الوطني، حيث تمثّل هذه المساحات منصات حيوية للحوار والتفاعل وتبادل الخبرات، وتفتح آفاقاً أوسع أمام الفنانين البحرينيين لعرض تجاربهم، وتطوير أدواتهم، والوصول إلى جمهور أوسع محلياً ودولياً، فالمعارض لا تسهم فقط في إبراز الأعمال الفنية، بل تعزز الوعي الجمالي لدى المجتمع، وتغذي الذائقة العامة، وتؤكد أن الثقافة والفن جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية والتنمية الشاملة، كما أنها تشكّل جسراً بين الأجيال، وتمنح الفنانين الشباب نماذج ملهمة يحتذون بها، في بيئة تشجع الإبداع، وتحتفي بالاختلاف، وتكرّس البحرين كمركز ثقافي نابض بالحياة في المنطقة.
ولا يسعني في الختام إلا أن أدعو الجميع، من داخل البحرين وخارجها، إلى زيارة معرض مجموعة راشد بن خليفة الفنية، من أجل جولة أشبه برحلة في التاريخ وفي التجربة الإنسانية، وجولة في وجدان فنان حمل وطنه في قلبه، وعبّر عنه بلغة الفن، لذا فهي فرصة للتأمل، وللوقوف أمام أعمال تحاورك، وتترك فيك أثراً أبدياً لا يزول.
