أيهما أفضل؟

تكتسب قضية التوظيف في البحرين أهمية متزايدة عاماً بعد عام، ليس لأنها مسألة اقتصادية فقط، بل لأنها تمس جوهر الاستقرار الاجتماعي ومستقبل التنمية الوطنية، فنحن اليوم أمام أعداد متنامية من البحرينيين المؤهلين، القادرين على العمل بجدارة، والمسلّحين بالعلم والخبرة والطموح، ومع ذلك ما زلت أستغرب حين أرى شركات ومؤسسات تختار الموظف الأجنبي في حال تنافسه مع بحريني على الوظيفة نفسها، رغم تقارب الكفاءة وربما تفوق البحريني في بعض الجوانب.

صحيح أن الحكومة والقانون لا يمنعان توظيف غير البحريني، وهذا مفهوم في اقتصاد منفتح، لكن من المنطقي، بل من المسؤولية الوطنية، أن تكون الأولوية للبحريني متى ما توفرت الكفاءة والقدرة، وقد ناقشت هذا الموضوع قبل فترة مع صديق تاجر كبير، وكان رأيه صريحاً حين قال إن البحريني، من وجهة نظره، أقل استقراراً وظيفياً، لأنه قد يترك العمل إذا وجد فرصة أفضل من حيث الراتب أو ساعات العمل أو حتى القرب من منزله، وهذا الرأي قد يتردد هنا وهناك، ولا يمكن تجاهله أو إنكاره بالكامل، لكنه في رأيي لا يقدّم الصورة كاملة، بل يختزلها في زاوية واحدة فقط.

قلت لصديقي حينها إن البحريني، أولاً، يعمل في ديرته وبين أهله، وهذا عامل نفسي وإنساني مهم لا يقدّر بالمال، فالبحريني لا يعيش حالة اغتراب، ولا يحمل هم الإقامة أو البعد عن الأسرة أو القلق الدائم من المستقبل القانوني لوضعه الوظيفي، وهذا الاستقرار الاجتماعي ينعكس في كثير من الحالات على أدائه وارتباطه بالمكان، أما الموظف الأجنبي، مهما كان محترفاً، فغالباً ما يظل قلبه معلقاً بأرضه وأهله، ويحن للوطن، ويفكر دائماً في العودة، أو في الانتقال إلى فرصة أفضل في دولة أخرى.

وثانياً، هناك اليوم منظومة متكاملة من الدعم والتسهيلات التي تقدمها الدولة للموظف البحريني، سواء عبر برامج الدعم للأجور، أو التدريب، أو التأهيل المهني، وهي مزايا لا يمكن للشركات إلا أن تأخذها بعين الاعتبار وتعطيها أولوية، فهذه السياسات لم تضعها الحكومة عبثاً بل لتشجيع توظيف البحريني، وتقليل الفجوة بينه وبين غيره في سوق العمل، وحين تأخذ الشركات هذه العوامل بعين الاعتبار، ستدرك أن توظيف البحريني هو خيار ذكي على المدى المتوسط والطويل.

كرجل أعمال، بدأت منذ نحو ثلاث سنوات أتعامل مع صندوق العمل “تمكين” وهيئة تنظيم سوق العمل، وتغيرت نظرتي للموظف البحريني بشكل واضح، فأصبحت أراه موظفاً أفضل في كثير من الحالات، حتى لو كانت خبرته أو كفاءته أقل بقليل في البداية، لأن الفارق الحقيقي لا يكون دائماً في الجانب المهني، بل في الانتماء للوطن والأهل، والاستعداد للتعلم، والرغبة في النمو داخل المؤسسة، فالبحريني الذي يجد بيئة عمل تحترمه وتستثمر فيه، غالباً ما يبادلها التزاماً وولاءً وتطوراً مستمراً.

ولا يمكن تجاهل جانب اقتصادي مهم في هذا النقاش، وهو أن المال الذي يُدفع للموظف البحريني يبقى في البلد، فالبحريني ينفق راتبه في الديرة، يستثمر في بلده، يشتري بيتاً، يفتح مشروعاً، يدعم حركة السوق المحلية، أما حين تذهب الرواتب إلى الخارج، فهي تخرج من الدورة الاقتصادية الوطنية، ولا تعود بالنفع نفسه على الاقتصاد المحلي، وهذه حقيقة بسيطة لكنها شديدة الأهمية، خاصةً في مرحلة نبحث فيها عن تعزيز الاستدامة الاقتصادية وتقوية السوق الداخلي.

لذلك فإن توظيف البحريني ليس مجرد قرار إنساني أو اجتماعي، بل هو استثمار اقتصادي ذكي، فكل بحريني يعمل وينتج هو عنصر استقرار إضافي، وركيزة من ركائز التنمية، وكل شركة تمنح البحريني فرصة حقيقية، وتستثمر في تدريبه وتطويره، هي في الواقع تساهم في بناء اقتصاد أقوى ومجتمع أكثر تماسكاً.

وهناك بالطبع مسؤولية واضحة لا تقل أهمية تقع على عاتق رجال الأعمال أنفسهم، فرجل الأعمال البحريني مطالب اليوم بأن ينظر إلى التوظيف من زاوية أوسع من مجرد تكلفة شهرية أو ربح سريع، إذ أن توظيف البحريني هو جزء من دورة اقتصادية متكاملة تعود بالنفع في النهاية على رجل الأعمال نفسه، فعندما يعمل البحريني ويتقاضى راتبه، فإن هذا المال يُنفق داخل الدولة، على السكن، وتعليم أبنائه، والخدمات، والتسوق، وكلها قطاعات تديرها في الغالب شركات وأعمال بحرينية، بمعنى آخر، ما يدفعه رجل الأعمال كرواتب يعود إليه وإلى غيره من رجال الأعمال في صورة حركة اقتصادية نشطة، وسوق أكثر حيوية تفيده بالنهاية.

ورجل الأعمال بطبيعته صاحب رؤية، ويُفترض به أن يفكر بعقلية القائد لا بعقلية الحساب القصير المدى، والقادة الحقيقيون لا يبحثون عن المكسب السريع فقط، بل ينظرون إلى المستقبل، وإلى استدامة أعمالهم في بيئة مستقرة وقادرة على النمو، فالاقتصاد القوي لا يُبنى بيد واحدة، بل بشراكة بين الدولة، والقطاع الخاص، والمواطن، وعندما يساهم رجل الأعمال في توظيف البحريني وتمكينه، فإنه لا يؤدي واجبه الوطني فحسب بل يؤسس لسوق أقوى، وقاعدة مستهلكين أوسع، وبيئة أعمال أكثر توازناً، وهي كلها عناصر تضمن له الاستقرار والنجاح على المدى البعيد.

وفي المقابل، كل ما أتمناه من البحرينيين المقبلين على سوق العمل ألا يأخذوا موضوع اهتمامنا بتوظيفهم كفرض أو حق مكتسب دون مقابل، بل كفرصة ثمينة يجب استغلالها بأقصى قدر من الجدية والمسؤولية، على البحريني أن يثبت كل يوم أنه أهل للثقة، وأن يطور مهاراته، ويحسّن أداءه، ويتعامل مع عمله كمهنة ومسار طويل، لا كمحطة مؤقتة بانتظار عرض أفضل فقط.

يجب ألا تكون مسألة التوظيف في البحرين صراعاً بين بحريني وأجنبي، بل أن تكون سؤالاً يسأله كل رجل أعمال وصاحب شركة لنفسه: أي اقتصاد نريد؟ وأي مجتمع نسعى لبنائه؟ وأنا شخصياً على يقين تام بأن البحريني، حين تُمنح له الفرصة العادلة، وحين يُنظر إليه كابن للبحرين يريد أن يساهم في بنائها، يكون قادراً على العطاء، وعلى إثبات نفسه، وعلى أن يكون ركيزة حقيقية لمستقبل هذا الوطن.

بواسطة akmiknas

أضف تعليق