كعادتي في مثل هذه الأيام من كل عام، اختتم عاما بما يمكن تسميته “جردة حساب”، واستقبل عاما بما يمكن تسميته أيضا “جرعة أمل”.
لا يسعنا ونحن نطوي صفحات العام 2025 إلا أن نتوقف قليلاً أمام ما حمله هذا العام، إذ كان حافلاً بالمفاجآت، أكثرها ولله الحمد سارّة، وبعضها كان صعباً وثقيلاً على النفوس، كان عاماً يختبر صبرنا ووعينا، لكنه في الوقت نفسه أكد لنا أن منطقتنا، وعلى رأسها دول الخليج، قادرة على الصمود والمضي قدماً رغم كل ما يحيط بها.
على الصعيد الخليجي، لا يمكن إلا أن نحمد الله على نعمة الأمن والاستقرار، وأن نسأله أن يُبعد عنا السوء والشر، فالعالم من حولنا ليس وديعاً، وكثير من الدول والقوى لا تنظر بعين الرضا إلى ما حققته دول الخليج من ازدهار وتقدم، فهناك من يتربص بنا، ويتمنى لنا التراجع، ولا يعجبه أن يرى دولاً عربية نجحت في بناء دول حديثة، واقتصادات متطورة، ومجتمعات آمنة، وما لا يروق لهم تحديداً هو نجاحنا في تطوير كوادرنا الوطنية، وتأهيل شبابنا ليكونوا أكفاء على المستوى العالمي، خاصةً في مجالات التكنولوجيا، والعلوم الحديثة، واقتصاد المعرفة.
البحرين اليوم مثال نموذجي على هذا التحول، فقد أصبحت من الدول الأولى الرائدة في التحول الرقمي، وفي تسخير التكنولوجيا لخدمة المواطن، وتسهيل حياته، وتطوير مؤسسات الدولة، وقد أصبحت هذه الجهود الوطنية المبذولة لتعزيز التحول الرقمي واقعاً ملموساً يلمسه كل من يعيش على هذه الأرض، والأهم من ذلك أن البحرين لم تكتفي بالتجربة، بل أصبحت قادرة على أن تكون نموذجاً يُحتذى به، وأن تنقل خبرتها لدول أخرى تسعى إلى التقدم في هذه المجالات، وهذا بحد ذاته مصدر فخر كبير لنا.
ولا يخفى على أحد أن اعتمادنا على النفط أصبح صعباً للغاية، ولم يعد خياراً آمناً كما كان في السابق، فالطلب العالمي على النفط يتغير، والأسواق تتقلب، والعالم يتجه نحو بدائل جديدة، لذلك فإن توجه دول الخليج نحو التنويع الاقتصادي كان بالطبع خطوة حكيمة في محلها، وهذا التوجه فرض على الدول أن تعيد النظر في أولوياتها، وأن تبحث بجدية عما يمكن أن تقدمه لشعبها على المدى الطويل، من رفاه، واستدامة، وفرص عمل ومعيشة.
أما على الصعيد العربي، فلا نزال للأسف ننقهر على السودان، وغزة، وليبيا، فقد استنزفت الصراعات والحروب فيها الإنسان قبل الأرض، لكن أملي بالله ألّا نصبح فريسة كاملة لقوى تتربص بالعالم العربي، وتستفيد من ضعف بعض الدول وانقساماتها، ودول الخليج في الواقع لم تدخر جهداً في مد يد العون، لكنها لا تجد التجاوب المطلوب، فغياب التوافق الداخلي في هذه الدول يجعل الاستجابة أقل مما نأمل، ويُبقي الأزمات مفتوحة على كل الاحتمالات.
وطبعاً إيران مازالت في محورها، تتقوقع وتضعف يوماً بعد يوم، وهذا لا يخدم أحداً، ليس في مصلحة العرب والأمة الإسلامية ولا حتى الشعب الإيراني نفسه، فنحن لا نبحث عن عداوات دائمة، بل نتمنى جاراً متحضراً، حضارياً، عصرياً، لنعمل معاً من أجل التقدم والازدهار لنا جميعاً، في إطار يحترم سيادة الدول، ويؤمن بأن الدين لله والوطن للجميع.
لبنان، بكل أسف، لا يزال يتصارع مع نفسه للخروج من أزمته، رغم أن أزمته قابلة للحل لو أدرك الجميع أن الوطن يتسع للجميع، وأن الطائفية لم تكن يوماً طريقاً للخلاص، أما سوريا فالحمد لله أنها تعمل على الحفاظ على وحدة البلد، رغم كل ما مرت به، في مواجهة تدخلات من جيرانها تسعى لإضعافها وإعادتها إلى الوراء، ومع ذلك يبقى الأمل قائماً في أن القيادة القوية والحكيمة قادرة على تجاوز هذه المرحلة الصعبة، والتغلب على التحديات، مهما اشتدت الأوضاع.
أما السودان، فهو جرح عربي نازف، لا يجوز أن يُترك وحده، ويجب تضميده بمساعدة كل العرب، فمصلحتنا جميعاً الّا تكون السودان وغيرها من الدول العربية في متاهات الحروب، واليمن كذلك، ما زالت الغيوم تتلبد فوقه، وقلوبنا معلقة بالأمل في أن تنجلي هذه الغيوم قريباً، وأن يرى شعبه السلام الذي يستحقه.
وبالنسبة للأمور الجيدة التي حملها هذا العام، وكانت باعثة على الطمأنينة والارتياح والسعادة، فهي كثيرة ولا يمكن حصرها، وأهمها أن كل شعب من شعوب الخليج عاش حالة من الاستقرار والازدهار التي يندر وجودها في مناطق أخرى من العالم، فقد استمرت عجلة التنمية في الدوران، وتواصلت المشاريع الكبرى، والاستثمارات، وتحسنت جودة الحياة، وشهدنا حضوراً متزايداً للفعاليات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وهذا الشعور العام بالأمان والاستقرار هو ثمرة سياسات متوازنة، وقيادات حكيمة وواعية، وشعوب أدركت أن الحفاظ على هذه النعمة مسؤولية مشتركة، وأن البناء، حتى في أصعب الظروف، هو أعظم إنجاز يمكن أن تحققه الأوطان.
وفي البحرين، فقد حاولت الحكومة قدر الإمكان الحفاظ على الدعم المقدم للمواطن، لكنها وجدت نفسها مضطرة لإعادة النظر في بعض السياسات، والانتقال إلى واقعية أكبر، شملت تعديل بعض الأنظمة المتعلقة بالحماية والدعم للمواطنين، وفرض ضرائب على ذوي الملاءة المالية العالية. لأكون صريحاً، أنا شخصياً سوف أتأثر بهذه السياسات الجديدة، كما سيتأثر غيري، لكنني لا أرى في ذلك شراً مطلقاً، بل واجباً جماعياً يجب علينا أن نعرف قيمته لضمان استدامة الخدمات، وتجاوز الظروف الاقتصادية الصعبة التي نمر بها.
البحرين كما نعرفها هي دولة تضع مصلحة الاقتصاد والمواطن في خطٍ متوازي، وفي صلب الأولويات، وتتعامل مع القرارات الحساسة بميزان دقيق من الوعي والمسؤولية، لذلك فإنه حين تتخذ الحكومة قراراً قد ينعكس بشكل محدود أو مؤقت على المواطن، فإن الصورة ليس كما نراها من السطح، لأن هذا القرار ينبع من فهم عميق لكيفية دوران عجلة الاقتصاد، وإدراك بأن الاقتصاد القوي والمستدام هو الضامن الحقيقي لرفاه المواطن على المدى البعيد، لذا فهي إدارة واعية تعرف أن ما يُبنى اليوم من إصلاحات وتنظيمات سيعود غداً في صورة خدمات أفضل، وفرص أوسع، واستقرار أشمل، ليكون المواطن في نهاية هذه الدائرة هو المستفيد الأول، لا المتضرر، وهذا هو النهج الذي تسير به أغلب الدول التي تخطط للمستقبل وتحرص على تأمينه.
لنستقبل جميعنا العام 2026 ونحن يملؤنا التفاؤل، حاملين أملاً صادقاً بأنها ستكون سنة خير، واستقرار، وتقدم، وأن نحصد فيها ثمار ما زرعناه من عمل وصبر، وأن تبقى البحرين، والخليج، واحة أمان للجميع دائماً وأبداً.
