في السادس عشر من ديسمبر الجاري، وفي قصر الصخير، كان لي شرف تسلّم وسام الكفاءة من الدرجة الأولى من لدن حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، خلال الاحتفال الذي أقيم برعاية جلالته الكريمة بمناسبة احتفال مملكة البحرين بأعيادها الوطنية، وعيد الجلوس لجلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه، وما يصاحبها من مناسبات وطنية.
كانت لحظة ستبقى محفورة في الذاكرة، ليس فقط لأنها تمثّل أسمى معاني التكريم، بل لأنها جاءت من قائد جعل من الإنسان محور التنمية، ومن العمل الصادق أساس الازدهار، كما يبرهن هذا التكريم على تقدير جلالته للعمل الاقتصادي والتجاري، وإيمان جلالته العميق بدور القطاع الخاص في بناء الوطن ودعم مسيرة التنمية الشاملة، وفي الوقت نفسه يؤكد هذا التكريم مسؤوليتنا كرجال أعمال في دعم مسيرة التنمية والازدهار الوطني بقيادة جلالته حفظه الله ورعاه، كما يعد رسالة لكل رجل أعمال بأن النجاح الحقيقي لا يُقاس فقط بالأرقام والأرباح، بل بما نقدمه لبلدنا من قيمة، وما نخلقه من فرص عمل، وما نتركه من أثر إيجابي في حياة الناس.
عندما تسلّمت الوسام، وقفت هناك وأنا أستحضر رحلة طويلة امتدت لنحو خمسين عاماً على أرض البحرين، رحلة مليئة بالتحديات، ولكن أيضاً بالفرص والعمل الجاد، وبالدعم الذي لا يُنسى من قيادة وشعب هذا الوطن الكريم، كما شعرت وأنا أتسلّم الوسام بأن المسؤولية باتت أكبر، وأن الواجب تجاه مملكتنا الغالية يتطلب منا مضاعفة الجهد والعمل بروح الشراكة من أجل مستقبل أكثر ازدهاراً لنا ولأبناء هذا الوطن.
في الواقع، لقد أشعل هذا التكريم بداخلي روح الحماسة والعطاء من جديد، وجعلني أشعر وكأنني سأبدأ مسيرتي وأعمالي مرة أخرى، بنفس الشغف الذي حملته في بداياتي، وبنفس الإيمان بأن العمل الجاد يمكن أن يصنع الفارق، لأعطي هذا البلد الغالي الذي أعطاني الكثير.
لقد نظرت إلى هذا الوسام ليس كرمز يكرّم نهاية مسيرتي، وإنما كبداية جديدة، ودافعاً قوياً لأواصل البناء، وأعطي هذا الوطن ما يستحقه من جهد ووفاء، وأعترف أني عندما تسلّمته عاد إليّ ذلك الإحساس الذي رافقني في أول خطوة خطوتها في عالم الأعمال في البحرين، إحساس التحدي الجميل، والرغبة في إثبات الذات، وخدمة المكان الذي احتضن أحلامي.
ويزداد هذا الشعور عمقًا حين أتذكر أن هذا التكريم يأتي متزامناً مع مرور خمسين عاماً على انطلاقتي في البحرين، نصف قرن من العمل، والتجربة، والتعلّم، والتكيّف مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها المملكة، خمسون عاماً رأيت فيها البحرين تكبر، وتتطور، وتفتح آفاقاً جديدة للاستثمار والابتكار، وكنت محظوظاً بأن أكون جزءًا من هذه المسيرة، فالرحلة لم تكن سهلة بالطبع، لكنها كانت غنية بالدروس، ومليئة بالمواقف التي أكدت لي أن البحرين بيئة تحتضن الطموح، وتكافئ الإخلاص.
هذا الحدث، بكل ما حمله من مفاجآت جميلة، ترك في نفسي بصمات تحفيز عميقة، فقد شعرت وكأنني اليوم أعود إلى بداية الطريق، لا لأكرر ما أنجزته، بل لأفكر في بناء أعمال جديدة، ربما تكون أكبر أو أصغر، لكن الأهم أن تكون أفضل وأكثر تأثيراً وتسعى إلى تحقيق أكبر منفعة ممكنة للمجتمع البحريني، وهذا هو التكريم الحقيقي، الذي لا يدفعك للاكتفاء بما حققت بل يحفزك لتسأل نفسك: ماذا بعد؟ وكيف يمكن أن يكون القادم أجمل وأكثر نفعاً للناس والوطن؟
خلال مسيرتي الحافلة، تنوعت أعمالي بين قطاعات الضيافة، والصناعة، والعقارات، والخدمات، وغيرها من المجالات التي أفتخر بكل مشروع فيها، وبكل إنجاز تحقق من خلالها، كما أن فخري الأكبر كان وسيبقى بالبحرينيين الذين يعملون معي، والذين أثبتوا بسواعدهم وعقولهم عبر السنوات كفاءتهم العالية، وإخلاصهم في العمل، وقدرتهم على التطور وتخطي التحديات، فنجاح أي مؤسسة لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه فرق العمل التي تؤمن بالرؤية، وتعمل بروح واحدة لتحقيقها، وهذا ما وجدته دائماً في أبناء وبنات البحرين.
ورغم كثرة مشاريعي في هذه القطاعات، تبقى أعمالي في مجال التعليم الأقرب إلى قلبي، بما فيها المدرسة البريطانية ومدرسة كويست، فهما بالنسبة لي ليستا مجرد استثمارات أو مشروع تجاري، بل هما مشروع بناء أجيال، فعندما تستثمر في القطاع التعليمي، يكون الأثر أكبر من غيره من القطاعات، لأنك تزرع عقولاً، وتصنع مستقبلاً، وتبني أجيالاً من المهندسين والمعلمين والأطباء والمحاسبين والتقنيين وغيرهم والذين سيكون لهم الدور الأكبر في البناء على منجزات الوطن وقيادته نحو الأفضل.
وإذا كان هذا التكريم قد أعاد إليّ مشاعر البدايات، فإنه ذكرني أيضاً بأهمية رد الجميل للمجتمع الذي كان شريكاً في كل نجاح تحقق، فريادة الأعمال في نظري لا تكتمل دون حضور إنساني واجتماعي يلامس احتياجات الناس، ويدعم المبادرات الشبابية، ويفتح الأبواب أمام الطاقات الجديدة لتجرب وتحلم وتخطئ وتتعلم، فقد آمنت دائماً أن دور رجل الأعمال لا يقتصر على إدارة المشاريع، بل يمتد ليكون جزءًا فاعلاً في نسيج المجتمع، يسهم في تمكين أفراده، ويشارك في صناعة بيئة إيجابية يشعر فيها الجميع أن النجاح ممكن، وأن الوطن يتسع لطموحاتهم جميعاً.
في الحقيقة لقد وصلتني رسائل كثيرة من أصدقاء وزملاء وشركاء درب يهنئونني بحصولي على الوسام، ولعل ذلك هو أكثر ما أثر في نفسي بعد التكريم، فقد كانت رسائل تهنئة صادقة وجميلة، لكن بعضها كان له وقع خاص في قلبي لأنها من أناس أعتز بهم، أناس عايشتهم هنا في البحرين منذ عام 1983، تقاسمنا العمل والنجاح، وربما التعب والتحديات أيضاً، وعشنا معاً قصصاً وتجارب لا تُنسى. أن يتذكرك هؤلاء ويعبروا عن فخرهم بك، هو في حد ذاته تكريم لا يقل قيمة عن أي وسام، لأنه يأتي من القلوب التي شاركتك الرحلة.
إن هذا الوسام هو بحق وسام شرف ومسؤولية في آن واحد، ومبعث فخر واعتزاز دائم لي، ولا يسعني في هذه المناسبة إلا أن أجدد عهدي للبحرين، قيادةً وشعباً، بأن أبقى وفياً لمسيرتها، مساهماً بكل ما أستطيع في دعم اقتصادها، وبناء أجيالها، وتعزيز مكانتها كأرض للفرص والعمل والأمل، فهذا الوطن أعطاني الكثير، وحان الوقت، الآن أكثر من أي وقت مضى، أن أبادله العطاء بمزيد من العمل والإخلاص.
