كنت في نقاش مع أختي بارعة علم الدين مكناس، الصحفية المعروفة والتي تتابع حوار المنامة منذ أكثر من 21 عاماً وحتى اليوم، حول ما حمله الحوار هذا العام من رسائل وأفكار، وخلصنا إلى نتيجة أن حوار المنامة يعد ضمن أهم الفعاليات التي تكرس مكانة مملكة البحرين كدولة حريصة على الأمن والاستقرار الإقليمي، وعلى صناعة مساحة للحوار متعدد الأطراف، خاصةً في الفترة الحالية التي تتسم بالتوترات الجيوسياسية وعدم اليقين والمستجدات والأوضاع المضطربة.
في الواقع، يظل حوار المنامة حدثاً لافتاً ليس فقط لرمزيته ودوره كملتقى إقليمي ودولي، بل لما يعكسه من ثقة المجتمع الدولي في قدرة مملكة البحرين على قيادة حوار مسؤول وعميق حول تحديات المنطقة وتحولاتها، وعلى مدار أكثر من عقدين، تحوّل هذا الحوار إلى أحد أهم الفعاليات الاستراتيجية في الشرق الأوسط، منصة تُصنع فيها الأفكار وتُختبر فيها الرؤى وتُبنى فيها جسور التعاون، ويُمنح فيها الجميع مساحة لإعادة تخيل المستقبل، واستشراف ما يجب الاستعداد له بدلاً من الاكتفاء بملاحقة الأحداث.
وقد تابعت شخصياً حوار المنامة هذا العام، فهذا الحدث الشيق وضعنا في صورة ما يجري حولنا من أحداث سياسية وغير سياسية، وكان بمثابة نافذة أوسع لفهم التحولات المقبلة، فإلى جانب مناقشة الملفات التقليدية المتعلقة بالصراعات الإقليمية والتحالفات السياسية، كان هناك تركيز لافت على الأمن الاقتصادي، والتكنولوجيا، والطاقة، والتهديدات غير التقليدية التي تشكل ملامح العقد المقبل، بمعنى آخر، لم يكن الحديث عن اليوم، بل عن الغد وما بعده.
كما تابعت بشكل خاص حديث المبعوث الأمريكي الخاص توم باراك عن الملف اللبناني، لم يتحدث باراك بوصفه مراقباً أو وسيطاً، بل بدا وكأنه طرف معني مباشرةً في نزاع يفترض أن يجد حلاً له، ويقوي طرف على حساب الطرف الآخر.
كما لفت انتباهي الطرح الجريء والواضح لرئيس الاستخبارات السعودية الأسبق الأمير تركي الفيصل خلال مشاركته، فحديثه عن المنطقة كان صريحاً وواضحاً، وخصوصاً عندما تناول دور سلطنة عمان في المشهد الخليجي، فقد أشار إلى أن السلطنة تعد الملاذ الآمن داخل مجلس التعاون الخليجي، والحضن الخليجي وبيت الأسرة الخليجية، مع تفهّم أن لديها جار كبير وربما شرير وهو إيران، وهو ما يؤكد أهمية أن تستمر عمان في تعزيز بُعدها الخليجي، لتحقيق التوازن الاستراتيجي والخليجي الموحّد في مواجهة المخاطر والتحديات المتزايدة.
ومن النقاط التي لا يمكن إغفالها في الحوار كذلك، حضور وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، والذي أكدت مشاركته على وجود تحولات وتوازنات جديدة في المنطقة، حيث كشف عن معطيات تتعلق بموقف سوريا وتوجهات السياسة السورية الجديدة، وشدد في الوقت نفسه على عمق العلاقة مع البحرين، وعلى استمرار الاستثمارات البحرينية في سوريا، بما يعكس رغبة متبادلة في تعزيز العلاقات الثنائية وتثبيت مبدأ الانفتاح الإقليمي.
وتجلّت في الحوار أيضاً رؤية البحرين لدورها في الأمن الدولي، والتي أكدها سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة من خلال حديثه في الجلسة الافتتاحية للمنتدى مع وزيرة الاستخبارات الأمريكية تولسي جابيرد، والتي تناولت أبرز ملامح اتفاق الشراكة الشاملة للأمن والتكامل والازدهار (CCIPA) الموقّع بين مملكة البحرين والولايات المتحدة الأمريكية في عام 2023، وما يمثله من إطار استراتيجي شامل لتعزيز التعاون الثنائي والإقليمي في مجالات الأمن والدفاع والاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة، وقد كان حديث سموه رسالة إلى العالم أجمعه بأن البحرين ترى في التعاون العسكري والأمني مع أمريكا ركيزة لضمان استقرار المنطقة وتوازن القوى فيها، مما يضع البحرين في موقع متقدم بين الدول ذات التأثير الكبير عبر بناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد.
ومن الجوانب التي تستحق الإشادة أيضاً في سياق هذا الحدث المهم، هو التركيز المتزايد على مفهوم الأمن الإنساني، ودوره في تشكيل مستقبل المنطقة، إذ لم يعد الأمن محصوراً في الجيوش والتحالفات العسكرية، بل بات مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، وبقدرة الدول على توفير فرص العمل والتعليم والتنمية المستدامة لشعوبها.
كما شهدت جلسات حوار المنامة اهتماماً لافتاً بالتحولات الاقتصادية العالمية، ودور دول الخليج في قيادة هذا التحول من خلال استراتيجيات التنويع الاقتصادي، وتحفيز القطاعات الجديدة مثل التكنولوجيا والطاقة المتجددة والاستثمار في رأس المال البشري، وهذا التوجه يعكس فهماً عميقاً بأن قوة الدول لا تقاس بعتادها العسكري، بل بقدرتها على خلق بيئة اقتصادية قوية ومستقرة، توفر الرفاه والفرص للمواطنين، وتحدّ من التوترات الداخلية التي قد تتحول في أي لحظة إلى تحديات أمنية.
وبالنسبة للبحرين، فإن إبراز رؤيتها الأمنية المتقدمة خلال الحوار يرسخ مكانتها في نظر الجميع كدولة تتمتع بنظرة شاملة للأمن، تجمع بين حماية الاستقرار السياسي من جهة، وبناء منظومة اقتصادية مستدامة من جهة أخرى، وهو نموذج لا شك في أنه يسهم في ترسيخ مكانتها كقبلة للحوار والفكر والتخطيط للمستقبل في المنطقة.
باختصار، تجاوز حوار المنامة 2025 حدود كونه فعالية سياسية إلى كونه منصة لرسم ملامح المستقبل، وقد عكس ثقة البحرين في دورها، وثقة العالم في قدرة هذه الدولة الصغيرة جغرافياً والكبيرة سياسياً على إدارة نقاشات معقدة حول مستقبل الأمن والاقتصاد والتوازنات الإقليمية، خاصةً في الوقت الحالي الذي تتصارع فيه القوى العالمية وتبحث فيه المنطقة عن مسارات آمنة للمستقبل، وهو ما يجعل الحوار ذو أهمية أكثر من أي وقت مضى، ويعد دليلاً على أن الحلول تأتي من الطاولة، لا من الحروب والنزاعات والدماء.
إن الاستمرار في هذا النهج، وتعزيز دور البحرين في الدبلوماسية الإقليمية، سيجعل من حوار المنامة أكثر من مساحة للنقاش، بل منصة للتأثير الفعلي وصياغة السياسات، وهنا تكمن القوة الحقيقية لأي حوار، عندما يصبح أداة لإنتاج الواقع لا مجرد الحديث عنه، فمنطقتنا اليوم بحاجة إلى منصات تجمع العقول قبل أن تجمع المصالح، وحوار المنامة يعد أفضل نموذج لمثل هذه المنصات، لأنه يطرح الأسئلة الصحيحة، ويفتح مساحة للتفكير الاستراتيجي الذي تتطلبه المرحلة المقبلة.
