السلام الضبابي

لقد اعتبرنا أن ما فعله ترمب عمل جبار وانصاف للجميع كما قال، وكما أكدت كلمته في الكنيست أن اتفاق وقف إطلاق النار الذي ساعد في التوسط فيه يُمثل نهاية حاسمة للصراع، لكن كلمته أيضاً كانت تستشف الإخلاص العجيب الحقيقي والعاطفة الحقيقة نحو “شعب الله المختار”، وكانت نبرته وكلماته مشبعة بالتعاطف تجاه إسرائيل.

وقلنا في أنفسنا أنه حر، ليحب من يشاء وليعطف على من يشاء، المهم أنها بداية جديدة، صفحة بيضاء في تاريخ المنطقة الملطخ بالحروب والدماء، ورأينا في تلك الخطوة مبادرة شجاعة من ترمب، واعتبرنا دعوته للرئيس الفلسطيني محمود عباس لحضور قمة السلام في شرم الشيخ لفتة إيجابية منه تعبّر عن نية حقيقية لتقريب وجهات النظر، وفتح صفحة جديدة، وتحقيق السلام للطرفين، وقدّرنا كل من شارك في القمة أو دعمها.

لكن تفاجأنا اليوم بأنه ما إن أقلعت طائرة ترمب مغادرةً شرم الشيخ عائدةً به إلى أمريكا، حتى اختفت تلك السحابة المؤقتة من التفاؤل، إذ قال بأنه لم يتطرق بوضوح لحل الدولتين، ولم يأخذ قراراً بذلك بعد، فتأجيل الحديث عن حل هو جوهر الصراع منذ عقود، يعني عملياً أنك تؤجل أي احتمال واقعي للسلام، فأي سلام هذا إذاً الذي كنت تنادي به وتدّعي أنك تسعى إلى تحقيقه؟

هذا يعني أننا سنعود عاجلاً أم آجلاً إلى دائرة الصراع التي لن تنتهي، فهذا السلام الذي أوهمنا به ترمب ليس سلاماً، بل ما يمكن وصفه بـ “السلام الضبابي”، سلام يُقال عنه الكثير، ويُكتب عنه أكثر، لكنه في جوهره غامض، هش، بلا معالم واضحة ولا نية صادقة، فكيف يمكن للعالم أن يتعامل مع مبادرة سلام لا تحدد موقفها من أساس الحل؟ وكيف نصدق نوايا زعيم يبدل مواقفه تبعاً لعاطفته ومزاجه السياسي؟

آسف لقول ذلك، لكن سياسة المراوغة والمزاجية من الصعب جداً أن تفهمها وأن تفهم على ماذا تقوم، وهي ليست جديدة على الساحة، لكنها في حالة ترمب بدت أكثر وضوحا وفجاجة، فهو لا يتعامل مع القضايا الكبرى كملفات تتطلب دراسة عميقة واستشارات، بل كعروض إعلامية تحتاج فقط إلى عناوين براقة وصور تذكارية، يقول اليوم شيئا، ثم يتراجع غدا، وكأن مصير الملايين يمكن أن يكون موضوعاً لتجربة أو نزوة سياسية.

دائما ما كان يدّعي تشجيع السلام، وأراد أن يروّج للاتفاقيات الابراهيمية، وشجّع الجميع بالفعل على أن يلتفوا حول الاتفاقيات الابراهيمة، وكأنها المفتاح السحري لكل مشاكل الشرق الأوسط، متجاهلاً أكبر وأهم أعرق قضية في المنطقة، وإرادة أكثر من 130 دولة حول العالم اعترفت رسميا بدولة فلسطين، ودعمت حل الدولتين باعتباره الطريق الوحيد لإنهاء الصراع، وكأنه هو في اتجاه والعالم كله في اتجاه الآخر

وبهذا المعنى، يبدو أن ترمب اختار السير في طريق مختلف، ففي الوقت الذي توحّد فيه الموقف الدولي تقريبا حول مبدأ الدولتين، فضّل هو أن يظهر بمظهر القوي، القادر على فرض رؤية خاصة حتى لو خالفت الإجماع، وربما لذلك أيضا نراه يتعمّد دائما الظهور بمظهر القوي، حتى في لغة جسده، والسلام بالقوة الذي يسعى إليه، وحتى نظراته وإيماءاته التي يريد من خلالها أن يوصل رسالة للجميع بأنه يمسك بزمام اللعبة.

الكثير من الدول ومنها السعودية والبحرين عبّرت بوضوح عن موقفها بأن الحل الوحيد لإنهاء الصراع هو حل الدولتين، وأكدت عدة دول خليجية وعربية وأوروبية الموقف ذاته، فهذه الدول هي التي تدرك تماما أن أي سلام لا يقوم على العدالة، ليس سلاما بل هدنة مؤقتة، فلا يمكن للمنطقة أن تستقر بينما يظل شعب بأكمله بلا دولة، بلا سيادة، بلا حقوق واضحة، وبلا ضمانات حقيقية لأمنه ومستقبله.

أنا شخصيا لا أستطيع أن أرى أي حل بديل، فإما أن يتم الاعتراف بحق الفلسطينيين في دولتهم، أو أن يبقى العالم يدور في دائرة مفرغة من المفاوضات والمواجهات والصراعات، على حساب حياة الأبرياء من الطرفين، لذا فإن أي خيار آخر غير حل الدولتين ليس سوى عبث سياسي، وتجاهل مقصود لمعاناة أجيال تعيش بين الحصار والخوف وعدم اليقين، ولا يمكن لعاقل أن يتصور أن الحل سيكون في قصف الفلسطينيين، أو إزالتهم من الوجود كما كانت تفعل آلة الحرب الإسرائيلية.

السلام أكثر من مجرد كلمة تُقال في مؤتمر، أو توقيع على ورقة أمام الكاميرات، بل السلام هو إرادة تُترجم إلى أفعال، إلى التزام واضح بمعايير العدالة الدولية، والتعايش وتقبّل الآخرين، وما دام ترمب وبعض القادة يعتقدون أن حل الدولتين ليس الحل السليم والصحيح، فسنظل نعيش في هذا السلام الضبابي لمدة لا يعلم إلا الله كم ستستمر، سلام لا يمكنك رؤيته إلا على الورق، ولا يعيش إلا في الخطابات، بينما على الأرض، لا يزال التمييز والاضطهاد والكراهية مستمرة، ومازال الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي يحلم بوطن آمن.

أنا لا أدعو بالطبع إلى إنكار أن ما حدث بوقف إطلاق النار يعد محطة مفصلية، وحدثا تاريخيا، ودعوة متجددة للأمل، فقد تابعنا جميعاً بفرحة إعلان وقف الحرب، وقلنا لأنفسنا: أخيراً، لعل هذه بداية لانفراجٍ طال انتظاره، وأن علينا التحلي بالأمل مهما كان هشا، لكن عندما ترى أفعال وتصريحات ترمب المتناقضة، يتلاشى أحيانا أملنا بحل الدولتين، فنحن حتى اللحظة لا نعرف ما يريده، وما هي نوايا رئيس أقوى دولة واقتصاد في العالم.

في الواقع، لا يختلف اثنان على أن العالم اليوم يعيش واحدة من أكثر المراحل التباساً في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، رغم أن الحل واضح للجميع، والعديد من الدول، وفي مقدمتها البحرين، كانت تنادي مبكراً منذ عقود بوضوح بحل الدولتين، في كل فرصة ومناسبة ومحفل وقمة وتجمع سياسي، باعتباره الحل الوحيد القادر على تحقيق استقرار دائم وعدالة شاملة، لا مجرد هدنة ترضي الإعلام وتترك الجراح مفتوحة.

ربما آن الأوان لأن نكف عن تصديق الأوهام، وأن نسمّي الأشياء بأسمائها، فسلام بلا عدالة هو ظلم مؤجل، وسلام بلا وضوح هو فوضى مؤجلة، وإذا كان العالم حقا يريد إنهاء هذا الصراع، فليكن صادقًا في رؤيته، شجاعا في قراراته، لا أن يختبئ خلف العبارات والابتسامات الدبلوماسية السياسية، لأن الشعوب لم تعد تحتاج إلى سلام ضبابي، بل إلى سلام حقيقي، واضح، نابع من احترام الحق والكرامة الإنسانية للجميع دون أي تمييز أو استثناء.

بواسطة akmiknas

أضف تعليق