للإنسان قيمة

أخيرا، تمكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بطريقة أو بأخرى من إجبار رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو على القبول باتفاق لإنهاء الحرب الاسرائيلية على غزة، وكأن ترامب الذي يدعم اسرائيل بلا هوادة حاله حال كل الرؤساء الأمريكيين، وجد نفسه أمام اختبار يفرض عليه أن يوازن بين ضغوط السياسة والواقع الإنساني الذي لا يمكن تجاهله، فضلا عن رغبته بالفوز بجائزة نوبل للسلام.

اللافت أن هذه الخطوة جاءت نتيجة طبيعية للتصعيد الجنوني والغرور الإسرائيلي المفرط، حتى ترامب نفسه، الذي لا يُحسب عادةً على من يتأثرون سريعاً بالعواطف، شعر بالخطر، وأدرك أن استمرار هذا النهج قد يقود إلى كارثة أوسع تهدد الاستقرار العالمي، وقد يكون من المفارقة أن الرجل الذي طالما وُصف بأنه أسير ضغوط اللوبي الصهيوني، وجد نفسه اليوم في موقف يجعله المرشح الوحيد “بالخطأ” لجائزة نوبل للسلام، من كان يتوقع أن يكون ترامب، تحديداً، هو من يدفع باتجاه تسوية تعيد التوازن إلى المشهد، ولو مرحلياً؟ لا شك في أنه متأثر بالطبع بضغوط اللوبي الصهيوني، إنما من الواضح أن الكل، بما في ذلك داعمي ومؤيدي إسرائيل، وصل إلى قناعة بأنه لا بد من وضع حد للجنون الإسرائيلي.

إيران، التي دفعت بحماس وبالمنطقة نحو مسار الغوغائية الدينية والتطرف في الفكر كطريق للحل، قدمت نفسها طويلاً كقوة قادرة على مواجهة إسرائيل، غير أن الواقع أثبت أن وعودها لم تكن إلا وهماً، ومن الصعب الاعتقاد أن اسماعيل هنية أو زعماء حماس كانو يشككون بمصداقية إيران، وبقوة إيران على أن تحارب اسرائيل، وتواجهها مباشرةً، لكن اليوم، وبعد كل ما جرى، يظهر واضحاً أن الرهان على شعارات دينية أو وعود فارغة لم يجلب سوى مزيد من الضعف سواء لحماس نفسها أو للمنطقة.

وقد أصبح من الواضح يوماً بعد يوم أن أمريكا أقوى دولة في العالم، قد يكون هناك دولاً أخرى مثل الصين، وقد تكون الصين في طريقها إلى أن تصبح مقاربة عسكرياً لأمريكا، لكن اعتقد أن حتى الصين عرفت أنها لن تستطيع أن تصد امريكا، والتفكير الأمريكي، مهما حاولت، فهي لا زالت بعيدة عن الدور العالمي، وبعيدة عن مقارعة النفوذ الأميركي بشكل حقيقي، فالعقلية الأمريكية وما تملكه واشنطن من أدوات سياسية وعسكرية ودبلوماسية، تجعلها في موقع لا ينافسه أحد حتى اللحظة، وأي محاولة لمعادلة هذا الدور تبدو حتى الآن مجرد طموح بعيد المدى.

وفي خضم هذا كله، جاءت الضربة الإسرائيلية لقطر لتكشف عن الوجه الأكثر غروراً في السياسة الإسرائيلية، والتي أيقظت الجميع على حقيقة الغرور الاسرائيلي الذي فاق كل التوقعات، فكيف يمكن لدولة تحتمي بشكل شبه مطلق بالدعم الأميركي، أن تتجرأ وتضرب دولة خليجية بهذا الشكل رغم أن الدولتين حليفتين لأمريكا؟ هذه الخطوة لم ولن تمر مرور الكرام، وقد أثارت أسئلة عديدة، فماذا يعني أن تضرب إسرائيل حليفاً تعتبره أميركا جزءاً من معادلتها الأمنية والاقتصادية في المنطقة؟ هذا التصرف لم يحرج إسرائيل وحدها، بل وضع أمريكا أيضاً أمام مسؤولية إعادة ضبط قواعد اللعبة.

الخليج العربي، الذي لم يهدده أحد يوماً بالسلاح، استطاع أن يحقق ما عجزت عنه حركات المقاومة المتطرفة، وهو كسب حرب السلام، فالتحالفات التي نسجها قادة الخليج مع قوى إقليمية ودولية ذات وزن ثقيل مثل الشراكات بين السعودية وباكستان، وبين السعودية وتركيا، وبين الإمارات والهند، وغيرها، شكّلت شبكة متينة تعكس عقلانية سياسية ورؤية بعيدة المدى، وهذه التحالفات لم تُبنَ على الشعارات، مثل الحركات المدعومة إيرانياً لبث الفوضى وقتل الأبرياء، بل على المصالح المشتركة والاستقرار، وهو ما جعل الخليج اليوم خطاً واضحاً وسليماً في خريطة المنطقة والعالم بأسره.

صحيح أن حماس تبدو في أضعف حالاتها حالياً، ولكنها لم تنته كما أرادت اسرائيل، ولم يتحقق حتى الآن الهدف الإسرائيلي المعلن بالقضاء عليها نهائياً، ومع ذلك فإن الضعف الواضح في أداء حماس مقابل صعود الدبلوماسية الخليجية يعكس تحولاً أكبر في الوعي العربي، وهو أن الشعوب لم تعد تبحث عن شعارات المقاومة المجردة، بل عن حياة مستقرة تُعيد للإنسان العادي معنى لحياته، فالنجاح لا يقاس بعدد الصواريخ، بل بقدرة الفرد على بناء أسرته، وتطوير عمله، والمساهمة في ازدهار مجتمعه وخلق بيئة آمنة ومستقرة، هذه تطلعات إيجابية تعكس روحاً جديدة في المنطقة، روحاً تجعل من السلام هدفاً واقعياً لا مجرد حلم.

أعتقد أن حتى اسرائيل تحسد الخليج على ما وصل إليه، فلا شك في أن الاستقرار الاقتصادي والسياسي الذي وصلت إليه دول الخليج صار نموذجاً يفرض نفسه، ومن هنا يمكن فهم أن إسرائيل مضطرة لإعادة النظر في مفاهيمها القديمة، كلمات مثل “الغوييم” أو “شعب الله المختار” لم تعد تصلح لتبرير السياسات العدوانية أو التوسع الاستعماري المستمر، والحقيقة الأعمق التي لا يمكن نكرانها هي أن الله اختار كل البشر ليكونوا على هذه الأرض، وجعلهم مختلفين في آرائهم وتجاربهم، لكنهم جميعاً يشتركون في هدف واحد: أن للإنسان قيمة تتجاوز كل الحسابات السياسية والعسكرية، وأن الإنسانية أقوى من الجميع، وأنه في نهاية المطاف للإنسان قيمة، مهما حدث ما يوحي بعكس ذلك.

أعتقد أن اللحظة الراهنة تمثل مفترق طرق، إما أن تستمر المنطقة في دوامة الغرور والتطرف والشعارات الجوفاء، أو أن تستثمر هذه التجربة القاسية في بناء مسار جديد يقوم على احترام قيمة الإنسان، والسعي وراء الاستقرار والتنمية، وإذا كان ترامب نفسه، بكل تاريخه المثير للجدل، قد وجد في هذه اللحظة فرصة ليظهر حساً بالمسؤولية تجاه العالم بأسره، فإن هذا يعني أن الضغط الشعبي والدبلوماسي قادر على صناعة المعجزات، وأن نحن أيضاً علينا ألّا نتمسك بالشعارات ونركض وراء من يريد تفرقتنا، بل أن نركز على الهدف الأسمى في الحياة، ونعيد للإنسان قيمته التي سلبته إياها الحروب والنزاعات.

ففي النهاية، لا شيء أقوى من الحقيقة البسيطة، أن الإنسان، أي إنسان، هو أغلى ما في هذه الأرض، وإذا لم تعِ القوى المتصارعة هذه الحقيقة الآن، فإنها ستدركها عاجلاً أو آجلاً ولكن بعد أن يكون الثمن باهظاً: حقيقة أن للإنسان قيمة.

بواسطة akmiknas

أضف تعليق