خالد الانسان

رحمك الله يا بونبيل، الوجيه خالد كانو، لقد كنت بحق مثالاً للصديق الصدوق. ضحكتك المتميزة لن تغيب عن بالي أبداً، وابتسامتك الدافئة كانت تجلب السعادة والفرح لكل من حولك. رحيلك خسارة كبيرة، ليس فقط لعائلتك ومحبيك، بل لكل من عرفك واحتك بك، فقد كنت إنساناً قريباً من القلب، تحمل في داخلك نقاءً وصدقاً وإيجابية لا يمكن نسيانها.

تعرفت على خالد للمرة الأولى منذ عقود، لأتكلم معه بموضوع تجاري. في العادة، مثل هذه الاجتماعات مع أشخاص لم يسبق أن جمعتني بهم علاقة شخصية، ويغلب عليها الجدية والصرامة بشكل خاص إذا كان هؤلاء الأشخاص من عائلة عريقة معروف عنها الحكمة والحنكة التجارية وذات ثقل تجاري مثل عائلة كانو. كنت أتوقع أن أواجه رجلاً رسمياً شديد التمسك بالبروتوكولات، ولكن ما إن فتحت الباب حتى استقبلتني ضحكته من بعيد، واقترب مني بخطوات واثقة وقال “أهلاً بأكرم”، فعلمت أنه يعلم الكثير عني، وأن اجتماعنا سيبدأ بايجابية، وهذا في الواقع ما حصل.

تلك اللحظة كانت كافية لأن أدرك أن لقائي به لن يكون عادياً، وأنني أمام شخصية استثنائية تحمل في طياتها الكثير من الإنسانية والدفء. إيجابيته وأخذه الأمور الصعبة بسهولة وابتسامة، كلها أمور ميزته عن كثير ممن أعرفهم من التجار، وأصبحنا رأساً متآلفين، بل وأصدقاء، وتبادلنا العزائم، وعلمت أن في داخله عمق إيجابي عجيب ونادر، يجعلك لا تملك إلا أن تحترمه وتقدّره.

لن أتكلم كثيرا عن حياته التجارية، فمثاقب عائلة كانو الناجحة الممتدة عبر عقود تشمل الكثير من القادة مثله، بل إنهم دوماً دائمي التجدد، والعائلة تميزت بأخلاقها الطيبة وسمعتها الجيدة والابتعاد عن المشاكل والمشاحنات، وإن أتت تنحو عنها، أما هو كشخص فقد أسرّني وأصبحت معجباً به، وأتنبئ خيراً كل ما رأيته أو سمعت صوته. لقد جسّد خالد كانو قيم عائلة كانو الأصيلة في حياته وعمله، كان امتداداً لذلك الإرث العريق، ولكنه أيضاً أضاف إليه لمسته الخاصة، التي اتسمت بالبساطة والتواضع والصدق. لقد رأيته بعيني وهو يتعامل مع أصعب المواقف بروح الإنسان قبل التاجر، وهذا ما زاد إعجابي به يوماً بعد يوم.

لا أزال أذكر كيف استقبلت خبر انتخابه رئيساً لغرفة تجارة وصناعة البحرين، لم أتفاجأ إطلاقاً، فقد كان بطبيعته قائداً بالفطرة، يحمل رؤية واضحة وحرصاً حقيقياً على خدمة وطنه، وعلى الرغم من أن فترة رئاسته تزامنت مع معاناته الصحية، إلا أن مرضه لم يكن يوماً عذراً للتقاعس، بل على العكس، رأيته يُعطي ويبذل وكأنه يتحدى المرض، وكان شاهداً على ذلك إنجاز مهم لا يمكن أن يُنسى، وهو فكرة مبنى غرفة التجارة الحالي، التي تعود إليه. كان يؤمن بأن العمل المؤسسي بحاجة إلى بنية تحتية حديثة، وكان له ما أراد. ولن أطيل الشرح، غرفة التجارة هي أفضل من يتكلم عن هذه المواضيع ويذكر نجاحاته.

وقد زرته في مكتبه لأني لم أرد أن أراه في بيته طريح الفراش، وأحافظ على صورته في ذهني، نشيطاً متجدد الحيوية، وقال لي أنه سيباشر رأساً في إنشاء متحف كانو. حتى إن مرض، وأقعده المرض في الفراش بعض الوقت، ولكن إرادته أبت أن يبقى في فراشه، وكأنه قال للمرض إنني لا أعترف بك، وأزاول حياتي ونشاطي وأعمالي فاذهب عني. لقد قاوم المرض كما يقاوم رجل الأعمال الخسارة الطارئة، كانت إرادته صلبة، وقلبه عامراً بالإصرار، وهذه الروح هي ما جعلت كل من حوله يشعر أنه لا يزال بيننا، حتى بعد رحيله.

حين نفقد شخصاً عزيزاً، نكتشف أن حياة الإنسان لا تُقاس بطولها بقدر ما تُقاس بما يتركه من أثر، فالمناصب تنتهي، والأموال تزول، لكن الكلمة الطيبة، والموقف النبيل، والعمل المخلص هي التي تبقى شاهدة على وجوده. كلنا راحلون في نهاية المطاف، لكن ما نصنعه من خير يظل ممتداً بعدنا، يروي سيرتنا ويمنح الآخرين مثالاً يقتدون به، ولقد كان خالد نموذجاً لهذه الحقيقة، إذ ترك بصمة واضحة في قلوب أصدقائه، وفي مسيرة عائلته، وفي وطنه، ما يجعل ذكراه حيّة لا تُمحى مهما مضت السنوات، فكلما ذُكر اسمه، ذُكرت معه خصاله الجميلة ومبادراته المضيئة التي لا تزال قائمة لتخبرنا أن قيمة الإنسان فيما يخلّف من أثر.

ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه من حياة خالد هو أن النجاح الحقيقي ليس في أن تصل وحدك، بل في أن تترك أثراً يتجاوز حدودك ويستمر بعدك. كان يؤمن أن قيمة الإنسان تُقاس بما يمنحه للآخرين، لا بما يجمعه لنفسه، لذلك ظل طوال حياته قريباً من الناس، مشاركاً لهم أفراحهم وأحزانهم، حاضراً بابتسامته في كل مكان، داعماً لكل من قصده بالنصيحة أو المساندة، وما أعظم أن يرحل الإنسان وقد ترك وراءه سيرة طيبة تذكّرنا أن الحياة قصيرة، لكن آثار الخير فيها طويلة لا تنتهي. خالد رحل جسداً، لكنه بقي مثالاً لما ينبغي أن يكون عليه كل واحد منا، وهو أن نسعى لترك بصمة إيجابية في محيطنا، وأن نعيش كما عاش هو، بحب، وصدق، وإخلاص.

ونحن نودع خالد، لا يسعني إلا أن أقول إن خسارتنا كبيرة، ولكن عزاءنا أنه ترك خلفه إرثاً لا يزول، إرثاً من القيم والأخلاق والعمل الدؤوب، إرثاً يليق بعائلة كانو التي طالما عُرفت بالسمعة، لقد منح أصدقاءه صدقاً ومودة، وأعطى وطنه جهداً وإخلاصاً، وترك لأسرته فخراً وذكرى عطرة ستبقى حية في قلوبهم وقلوبنا.

هنيئاً لعائلة كانو هذا الإرث الذي تركه المرحوم خالد كانو، وهنيئا لأصدقائه بمعرفته وبما أعطاهم من صدق ومودة، فقد أعطاهم من قلبه ما يكفي ليبقى ذكره طيباً بين الناس، ورحمه الله برحمته الواسعة. لقد غاب الجسد، لكن خالد الإنسان باقٍ بيننا، ما بقيت ذكراه وما بقيت قلوبنا تذكر ضحكته وابتسامته وإيجابيته التي لا تموت.

بواسطة akmiknas

أضف تعليق