رحابة الفكر والإبداع

 
 

أنعي إليكم اليوم الفنان الموهوب المفكر زياد الرحباني، الذي أعرفه عن قرب وليس كفنان فقط، أعرف عائلته وتربطني بهم علاقة شخصية قوية، وأعرف زياد منذ أن كان طفلاً ذو عبقرية خاصة، كما كان أبوه عاصي وأمه فيروز أصدقاءًا لأختي بارعة، وكنا نجتمع معاً في عدة مناسبات وفي حفلات العشاء، كانوا بمثابة أصدقاء للعائلة.

وقد تألمت كثيراً لرحيل زياد عنا، الصوت الذي جمع بذكاء بين العبقرية الفنية والجرأة الفكرية، والكاتب المسرحي والموسيقي الذي اتسم بعفويته يوم كتب، وبراعته حين لحن، وخفة ظله وهو يعانق المسرح، زياد الرحباني هو مسرحي وموسيقي وشاعر وموزع وعازف ومخرج في آنٍ واحد، فنان لن يكرره الزمن، وخسارته هي خسارة حقيقية لتاريخ الفن العربي الحديث الذي مزج بين الأصالة والحداثة، بين التراث والثورة، بين الضحكة والدموع.

ترك الرحباني وراءه إرثاً فنياً لا يمحى، ليس فقط كفنان، بل كحلقة مهمة في سلسلة عائلة الرحباني التي شكّلت وجداناً موسيقياً ومسرحياً لأجيال عربية متعاقبة، فقد ولد زياد في أحضان الفن، فوالده عاصي الرحباني ووالدته فيروز التي كانت مدرسة فنية بحد ذاتها، وقد نشأ في عائلة متأثرة بالموسيقى الكنسية، ولا سيما السريانية والبيزنطية، ولكن زياد لم يكتفِ بالعيش تحت ظل عائلته العملاقة في عالم الفن، بل سعى منذ البداية لخلق مساره الخاص.

كان والده يقدم الفلكلور اللبناني بصورة منمقة وجماهيرية، ويقدم مع أخيه منصور الرحباني تحت اسم الأخوين رحباني الكثير من المسرحيات الغنائية، وقد كانت فيروز هي البطلة المطلقة في جميع مسرحياتهم، كما أن عمّه الآخر إلياس الرحباني حصل على ثقة عاصي ومنصور فضمّاه كمؤلف إلى مسرحهما، وكان ولدي إلياس قد دخلا عالم الفن بالفعل فمثّلا في بعض الأفلام الدعائية ووضعا صوتيهما عليها قبل أن يرثا الموسيقى بكل متفرّعاتها عن والدهما إلياس.

وقد أضاف زياد لهذا التراث الممتد لمسة عصرية حادة، ممزوجة بنقد اجتماعي وسياسي لاذع فأعماله مثل “بخصوص الكرامة والشعب العنيد” وموسيقاه الحديثة وتمثيلياته السياسية الناقدة التي تصف الواقع اللبناني الحزين بفكاهة عالية الدقة، كانت شهادات فنية على حقبة مضطربة من تاريخ لبنان والعالم العربي، وقد تميز أسلوب زياد الرحباني بالسخرية والعمق في معالجة الموضوع، فلا عجب في أنه يسمى بفيلسوف الموسيقى الشرقية المعاصرة، والمبدع الذي أنشأ مدرسة فنية فريدة.

أكثرية أبناء جيلي يعرفون جيداً مسرحيات مثل “جسر القمر” و”موسم العز” للأخوين رحباني، والتي لم تكن عروضاً غنائية عادية بل كانت ملاحم فنية تروي حكايات الناس البسطاء بأسلوب جمع بين الشعر والموسيقى والدراما، وكنا نعجب بمثل هذه الأعمال كثيراً ونستمتع بها، فهذه العائلة التي خرجت من قرية صغيرة في لبنان استطاعت بكل قوة أن تخلق فناً جمع بين عمق التراث وجمال الحداثة، وفي هذا المناخ الفني الثري نشأ زياد، فورث الموهبة لكنه أضاف لها روح التمرد والتجديد.

فإذا كان جيل عاصي ومنصور قد قدّم لبنان القرية ببراءة وجمال، فإن زياد قدّم لبنان بكل تعقيداته وتناقضاته، وهذا التحول رغم أن جزءًا منه كان بسبب اختلاف الأجيال وأساليب التعبير الفني، إلا أن كان أيضاً انعكاساً للتحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدها لبنان والعالم العربي خلال فترة الستينيات وحتى التسعينيات، وزياد كان صوتاً من أصوات هذا الجيل التي رأت أحلاماً تتحطم وصراعات لا تنتهي، فجاء فنه مرآة لهذا الإحباط وهذا التحدي في آن معاً.

على المستوى الموسيقي، تميز زياد بمزج غير مسبوق بين المقامات العربية والإيقاعات الغربية، أغانيه التي أدتها فيروز تحولت إلى أناشيد لحنها الملايين دون أن يعرفوا في كثير من الأحيان عمق الكلمات التي يرددونها، من أغنية “أنا عندي حنين” إلى “حبيتك تنسيت النوم” و” البوسطة” وغيرها من الأغاني الجميلة التي لحنها زياد وغنتها فيروز، والتي أعاد زياد من خلالها تقديم التراث الرحباني بلغة جديدة، حافظت على الجمال لكنها أضافت عمقاً جديداً.

وراء هذا الفنان العظيم كان هناك إنسان ذو حياة معقدة، فعلاقته بوالدته فيروز كانت موضوع تكهنات كثيرة، كما أن زيجاته غير الناجحة أضافت طبقات من الدراما لحياته الشخصية، لكنه كان فناناً بكل ما تحمله الكلمة من تعقيد وتناقض، وربما هذه الإنسانية هي ما جعل فنه قريباً من الناس، لأنه مثلهم عرف الألم وعاش الحياة بصعوباتها، وأعماله الفنية تحمل الهم الإنساني بمآسيه وأفراحه.

قال عاصي الرحباني يوماً أن “الفن ابن الوعي”، وزياد هو الابن الأوفى لهذه المقولة، جسّدها من خلال أغانيه التي تنضح بالهم الإنساني الوجودي وحالاته مثل “إيه في أمل”، و”رفيقي صبحي الجيز”، و”كيفك إنت”، و”نزل السرور”، وغيرها، كما كان من الأشد جرأة في عصرنا، إذ خاض المحرّمات الاجتماعية والسياسية والدينية بوعي الفنان وصدق الإنسان وتواضعه، لمست أعماله الفنية قلوب الناس وضمائرهم بمختلف فئاتهم وانتماءاتهم الدينية وتياراتهم السياسية، وحتى أبناء الكنيسة لم يكونوا في منأى عن مشروعه الفني، فخصّهم بترانيم تحفظها كل شفة وقلب أبرزها “المجد لك أيها المسيح” و”العالم جائع” و”إلهي رفعت إليك يدي” و”سيدي”.

ما أجمل أن يرحل الفنان من العالم وهو تارك وراءه سجلاً حافلاً بالألحان التي تلامس الروح، والكلمات التي تحفر في الذاكرة، وتاركاً قطعة من روحه في قلب كل من سمع لحناً من ألحانه أو تأثر بكلمة من كلماته ممن عاصروه، هذا هو خلود الفن الحقيقي، أن يتحول الفنان إلى ذكرى عطرة تزداد إشراقاً مع الزمن، وإلى صوت لا يخفت كلما عاد إليه المحبون، فالفنانين العظماء لا يموتون، بل يصبحون جزءاً من وجدان الأمة بأكملها، يتردد صداهم كلما غنى شخص أغانيهم، فهم حالة من الجمال المستمر الذي لا يتوقف عن العطاء.

رحيل زياد هو فصل مؤلم في قصة الفن العربي، لكنه ليس النهاية، فأعمال الرحبانيين ستظل حية ما دام هناك أناس يتغنون بـ”زهرة المدائن”. زياد وعائلته لم يقدموا فناً للاستماع فقط، بل قدموا صوتاً للوجدان الجمعي العربي في أحلى وأصعب لحظاته، هذا النوع من الفن لا يموت، لأنه ببساطة أصبح جزءاً منا، زياد غادرنا جسدياً، لكنه سيبقى حاضراً في كل مرة نسمع فيها لحناً رحبانياً يملأ الأجواء، يذكرنا بأن الفن الحقيقي هو ذلك الذي يخترق القلب ويبقى.

بواسطة akmiknas

أضف تعليق