غامر ولا تخف

أتابع بسعادة وفخر أخبار كل رائد عمل، شجاع مغامر قادر على الابتكار، يقدم على تحويل أفكاره إلى مشروعات قائمة، ويوفر فرصة عمل لنفسه أولا، ثم لعدد من الشباب ثانيا، ويقدم منتجات وخدمات مفيدة للناس والمجتمع، ويسهم في تنمية اقتصاد وطنه.

ولقد سعدت بقراءة أخبار ومشاهدة صور نخبة من رواد الأعمال والمستثمرين والشباب الطموح في حفل تكريم الفائزين في مسابقة “أفضل ستارت أب للعام” في نسختها الثانية التي نظمها “تمكين” و”ممتلكات” الأسبوع الماضي، حرصاً على دعم المشاريع البحرينية الواعدة وتمكين رواد الأعمال من المساهمة في تحقيق النمو الاقتصادي في مملكة البحرين، وقد كان هذا الحدث أكبر من مجرد مناسبة للاحتفال بأسماء جديدة في عالم المشاريع الناشئة المتميزة، بل كان تأكيداً على حيوية منظومة ريادة الأعمال في البحرين، وقدرتها على خلق جيل جديد من القادة الاقتصاديين، الذين يحملون رؤية مختلفة للتحديات والفرص.

ما يميز البحرين في مجال ريادة الأعمال هو البيئة التشريعية والتمويلية الداعمة التي تتيح للشباب تحويل أفكارهم إلى مشاريع قائمة بذاتها، فمنذ إطلاق رؤية البحرين الاقتصادية 2030، أصبحت المملكة وجهة جاذبة للشركات الناشئة بفضل نظامها الضريبي التنافسي، ومرونتها في منح التراخيص التجارية، ووجود بنية تحتية متطورة في المناطق الحرة، وهذه العوامل مجتمعة ساهمت في نمو المنظومة الريادية في المملكة بنسبة 40% خلال العام الماضي وفقاً للتقرير العالمي لمنظومات المؤسسات الناشئة للعام 2024 (GSER).

كل يوم نرى مشاريع جديدة في قطاعات متنوعة بين التكنولوجيا المالية والصحة والتجارة الإلكترونية والزراعة، وهو ما يؤكد تنوع الاقتصاد البحريني وعدم اقتصاره على القطاعات التقليدية، والكثير من هذه المشاريع تجذب استثمارات بملايين الدولارات، وبعضها يرشح لعدة جوائز إقليمية وعالمية مهمة خلال بضعة أشهر من انطلاقها.

لا يمكن الحديث عن ريادة الأعمال في البحرين دون الإشادة بجهود صندوق العمل “تمكين” الذي يقدم برامج نوعية لفئة رواد الأعمال سواء لتمويل الشركات الناشئة أو لتمكين البحرينيين من تأسيس وتنمية مشاريعهم الخاصة وتحقيق النمو الاقتصادي المستدام، إذ أطلقت “تمكين” العديد من المبادرات والبرامج المتخصصة في دعم رواد الأعمال مثل برنامج “مشروعي” و”برنامج ريادة لتسريع الأعمال” و”برنامج رائد الأعمال العالمي”، وغيرها الكثير.

وقد حققت البحرين سابقة خليجية وإقليمية بوضعها خطط وبرامج وطنية وسياسات وتشريعات تخطت من خلالها العديد من التحديات التي تواجه رواد الأعمال في جميع الدول، ومن أبرزها صعوبة الوصول إلى أدوات التمويل المتوسطة والكبيرة، والحاجة إلى مزيد من برامج التوجيه والإرشاد التي تربط الخبرات القديمة بالطاقات الشابة، لكن البحرين بحكمتها أدركت منذ وقت طويل أهمية ريادة الأعمال ومساهمة الشركات الصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد الوطني.

ولا يخفى علينا كيف تتطلع الجهات الحكومية المعنية وكافة الوزارات والمؤسسات الرسمية القائمة على منظومة ريادة الأعمال في البحرين إلى تحقيق قفزة نوعية خلال السنوات المقبلة، عبر مضاعفة عدد الشركات الناشئة، وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في هذا القطاع، وإدراج البحرين على خريطة الوجهات الإقليمية الرائدة في مجال الابتكار، وعلى كل حال، فإن النجاحات التي تحققت حتى الآن، تثبت أن المملكة تسير في الاتجاه الصحيح، وأن طموحات شبابها قادرة على صنع فارق حقيقي في الاقتصاد والازدهار طويل المدى.

ومن المهم أيضاً عدم إغفال الدور المحوري للمرأة البحرينية في هذه النهضة، فقد برهنت أحدث الإحصائيات على الدور البارز للمرأة البحرينية في عالم ريادة الأعمال، وهذا التميز لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج سياسات داعمة وخاصةً برامج المجلس الأعلى للمرأة ومبادراته الهادفة إلى تمكين المرأة البحرينية في مختلف المجالات، بما في ذلك ريادة الأعمال، مثل محفظة ريادات وبرامج بناء القدرات النسائية في ريادة الأعمال وغيرها.

وقد أثبت رواد الأعمال البحرينيون أنهم قادرون على تحدي التقليدية بجرأة، حيث نجحوا في تحويل أفكارهم إلى مشاريع ناجحة تعيد تشكيل قطاعات بأكملها، فعندما نرى مشروعاً ناشئاً على سبيل المثال يربط التجار المحليين في مجال معين مباشرةً مع المستهلكين، ندرك أن الابتكار الحقيقي يكمن في رؤية ما لا يراه الآخرون، وهذه النماذج لم تثبت جدواها الاقتصادية فحسب، بل أصبحت تلهم جيلاً جديداً من رواد الأعمال لاختراق المجالات غير التقليدية بثقة، مما جعل السوق البحريني ساحة حية لتجارب الأعمال الأكثر تميزاً في المنطقة، وحاضنة لأفضل المشاريع الريادية وأكثرها كفاءة في التحول إلى واقع ملموس.

إن تطوير قطاع مؤسسات ناشئة حيوي وفعّال لا يتحقق إلا بوجود رواد أعمال محفزين يسعون إلى نيل الفرص والتغلب على التحديات لبلوغ للنجاح، وهو ما يظهره الشباب البحريني من خلال إصرارهم الراسخ على تحويل التحديات إلى فرص، فهم لا ينتظرون النجاح ليأتي إليهم، بل يذهبون إليه بجرأة وعزيمة، ولا يكتفون بمجرد إطلاق مشاريعهم، بل يسعون باستمرار إلى تطويرها، من خلال الاستفادة من برامج التوجيه والتمويل المتاحة، وبناء شبكات علاقات قوية، ومواكبة أحدث الاتجاهات التقنية، وهذه الروح الريادية المتقدة بين الشباب هي التي تضخ المزيد في شرايين الاقتصاد الوطني، وتثبت أن البحرين تمتلك كنزاً ثميناً من المواهب الشابة القادرة على قيادة دفة الابتكار وبناء مستقبل مزدهر.

لذا فليس بغريب عندما نرى أن برامج التدريب التي تعتمد على النموذج البحريني لريادة الأعمال قد وصلت اليوم إلى الصين وأوروبا والهند وأفريقيا وغيرها من دول العالم، فهذه البرامج تعتبر بلا شك فرصة سانحة تشجع رواد الأعمال المؤهلين للانخراط في المشروعات الناشئة وتأسيس مشروعات جديدة تستوعب المزيد منهم ليتحولوا بالتالي من طالبي فرص عمل إلى أصحاب أعمال، ناهيك عن المنتدى العالمي لرواد الاعمال والاستثمار الذي أصبح محفلاً أممياً مهماً تستضيفه البحرين كل سنتين.

ريادة الأعمال في البحرين لم تعد مجرد خيار وظيفي يلجأ له الشباب، بل أصبحت توجه وطني يساهم في تنويع مصادر الدخل، وخلق فرص عمل نوعية، وإعداد جيل جديد من القادة القادرين على المنافسة في السوق العالمية، وكل مشروع ريادي هو بداية لرحلة أطول نحو بناء اقتصاد معرفي متين، تكون فيه البحرين منارة للإبداع ومركزاً إقليمياً للابتكار في مختلف المجالات.

بواسطة akmiknas

أضف تعليق