الدم ما يصير مي

تجهد الحكومات حول العالم أنفسها كي تؤسس كيانات سياسية أو اقتصادية تجمعها، مثل الناتو ووارسو وبريكس والآسيان وغيرها، لكن هذه الكيانات لا تعمل كما يجب، أو كما خطط لها، وتهتز وربما تنهار أمام الاختبارات الكبيرة، كما حدث لحلف وارسو، أو كما حدث عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوربي.

لكن هذه المنطقة من العالم، منطقة الخليج العربي، التلاحم فيها أصيل، ليس تلاقي المصالح السياسية والاقتصادية فقط، بل وحدة التاريخ والجغرافية، والتماهي الثقافي والاجتماعي، والترابط القبلي، إنها الوحدة التي لا يمكن فصلها أو تجزئتها، لإنها ببساطة: وحدة الدم.

وهذه الوحدة تشهد تطوراً مستمراً على كل المستويات، انطلاقاً من الثوابت والرؤى المشتركة التي تجمع بين دول مجلس التعاون الخليجي تجاه مختلف القضايا، وروابط الأخوة ووشائج القربى والمصاهرة والنسب والمصير والهدف المشترك الذي يجمع الشعوب الأشقاء، وتظهر متانة هذه العلاقات في تشارك قيادتهم وشعوبهم الأفراح والأحزان، ووقوفهم إلى جانب بعضهم البعض في الملمات والمحن.

وعلى نحوٍ خاص، تضرب العلاقات البحرينية السعودية بجذورها في أعماق التاريخ كجزء من هذا التلاحم الخليجي، وأسهم الحب والود المتبادل بين شعبي المملكتين في تقريب المسافات بين الدولتين أكثر فأكثر، وألغى الحدود القائمة بينهما، حتى باتا يتشاركان ذات المصير المسنود برصيد التاريخ والجغرافيا.

وخير دليل على ذلك ثمار اجتماع المجلس التنسيقي السعودي البحريني برئاسة سمو وليي العهد رئيسا مجلس الوزراء في المملكتين الشقيقتين حفظهما الله، وهو اجتماع أكد عمق الروابط الأخوية التاريخية التي تجمع مملكة البحرين والمملكة العربية السعودية الشقيقة، وعكست اهتمام وحرص المملكتين على مواصلة جهودهما في تعميق أواصر التعاون المشترك والدفع بمسيرة العمل المشترك نحو آفاق أكثر شمولية ورحابة وازدهار.

وإنه لمن دواعي الفخر والاعتزاز لنا كجزء من هذه المنطقة الخليجية أن نرى المسار المزدهر الذي أخذته المملكتين في ضوء مخرجات هذا الاجتماع، والتي أثمرت عن الإعلان عن 9 برامج ومشاريع تعزز التكامل ما بين البلدين الشقيقين، إلى جانب توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في مجالات الطاقة، والاقتصاد، والمالية، والأسواق المالية، والقانونية، والثقافة، والتعليم، والتنمية الإدارية، والصحة، والتلفزيون والإذاعة والأخبار، والتي من شأنها أن تسهم في رفد التعاون المشترك بمختلف القطاعات والمجالات وبما يدفع بعجلة التنمية الاقتصادية نحو مستويات أكثر تقدماً ويلبي التطلعات المنشودة لدى القيادتين.

ونحن مسرورون جداً وفخورون بما نراه من تقدم وازدهار في المملكة العربية السعودية الشقيقة على كافة الأصعدة، ونتطلع دائما أن نكون جزءًا من هذا التقدم وأن نواصل تحقيق المزيد من المكتسبات على صعيد التعاون الثنائي لفتح آفاق جديدة في مسار العلاقات الأخوية بين المملكتين الشقيقتين، بما يصب نحو تعزيز الفرص النوعية الواعدة للعمل المشترك بمختلف المجالات، وبما يعود بالنفع على الجميع، ويؤكد الرؤية المشتركة للمملكتين في الدفع بكل ما من شأنه أن يعود بالخير والنماء على شعبي البلدين ويخدم تطلعاتهما لمستقبل واعد يمتد من علاقات الأخوة والمودة التاريخية.

ولا بد من التوقف كثيراً أيضاً عند زيارة سمو أمير دولة الكويت إلى مملكة البحرين مؤخراً في إطار العلاقات المتينة والشراكة القائمة بين مملكة البحرين ودولة الكويت الشقيقة، والتي تستند كذلك إلى عمق الروابط الأخوية التاريخية بين البلدين والشعبين الشقيقين، وحرص قيادتيهما على توسيع هذه العلاقات والنهوض بها نحو آفاقٍ أرحب تحقيقًا للتطلعات والأهداف المشتركة، ولا بد أيضاً من الإشادة بنتائج هذه الزيارة التي شملت جميع المجالات الأمنية، والشراكات الاستراتيجية لأجل الحفاظ على أمن واستقرار البلدين والمنطقة، والتأكد على أهمية الحفاظ على تماسك وتضامن دول المجلس ووحدتها، وتكثيف الجهود لاستكمال مقومات الوحدة الاقتصادية والمنظومتين الدفاعية والأمنية المشترك بما يضمن استقرار دول المجلس.

وتابعنا كذلك وباهتمام بالغ زيارات أصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون الخليجي إلى بعضهم على مدار العام الماضي والتي تكللت بفضل الله وتوفيقه بالنجاح، وأكدت على زيادة التبادل التجاري بين الدول وتحفيز الحركة الاستثمارية فيما بينها بما يسهم في تفعيل الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الموقعة بين الدول الشقيقة، وتعميق التكامل والشراكة الاستراتيجية الشاملة لما يعود بالازدهار الاقتصادي والاجتماعي ويعزز من دورهم المحوري في ترسيخ التكامل الخليجي والعمل العربي المشترك، ودعم السلام والرخاء العالمي.

ولا شك في أن هذه العلاقات بين دول المجلس الأشقاء تمثل نموذجاً يحتذى به لعلاقات الأخوة التي تزداد متانة وقوة مع مرور الزمن والتاريخ الحافل بالمواقف بين الدول على مستوى القيادات والشعوب تحت مظلة مجلس التعاون الخليجي المبارك، ويشهد على ذلك تطابق المواقف الدبلوماسية بين الدول الأعضاء في حرصهم على وحدة البيت الخليجي ودعم المسيرة التكاملية لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، ومساندة القضايا العربية والإسلامية العادلة، ومبادراتهم الرائدة في تكريس قيم التعايش السلمي بين جميع الأديان والثقافات والحضارات، وتوطيد الشراكة الدولية في حفظ الأمن والاستقرار وتسوية النزاعات بالطرق الدبلوماسية، ودعم العمل الإنساني والتنمية المستدامة على الصعيدين الإقليمي والعالمي، حتى أصبحت منطقة الخليج العربي وجهة معروفة على المستوى الدولي في مجال حفظ وصون كرامة الإنسان على أراضيها ودعم الابتكار والريادة وتسريع وتيرة التقدم في مختلف القطاعات والمجالات، وتحتضن مئات الجنسيات والأعراق من حول العالم.

إن المستوى المتقدم الذي وصلت إليه مسيرة التعاون الخليجي المشترك على الأصعدة الاقتصادية والسياسية يأتي في ظل ما تضطلع به من جهود لتطوير مقومات الوحدة الاقتصادية والمنظومتين الدفاعية والأمنية المشتركة، وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية المشتركة وتحقيق التكامل والتنسيق في مجالات الاستثمار والتجارة وتطوير البنى التحتية، وتعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب وتأمين المناطق الحدودية للدول، بما يحقق الاستقرار والأمن للمنطقة بشكل عام، ويؤكد موقع المجلس كقوة إقليمية تحظى باهتمام واحترام العالم.

وإن ما يحيط بنا من أهوال ومخاطر وحروب ونزاعات وفتن، يطلب منا أن نكون على أعلى درجات الانتباه والحذر، ليس على مستوى الحكومات والمسؤولين فقط، بل على مستوى الشعوب أيضا، نقف خلف قادتنا، نستلهم توجهاتهم وتوجيهاتهم، ونبذل ما في وسعنا للحفاظ على ما نحن فيه من أمن وأمان واستقرار وازدهار.

بواسطة akmiknas

أضف تعليق