المرونة أساس

حين ننظر إلى ما يحدث اليوم في السعودية، والخليج بشكل عام، ندرك أن المرونة هي أساس كل هذه المرحلة، فالعالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، ومن لا يملك القدرة على التكيف، سيجد نفسه متأخراً مهما كان غنياً أو قوياً. السعودية أعلنت ذلك بصراحة ووضوح، وقالت إنها تعيد توجيه استثماراتها إلى قطاعات أخرى تراها أكثر جدوى وأهمية للمستقبل، لذا فلم تعد المسألة مجرد مشاريع أو إنفاق ضخم بلا هدف، بل أصبحت رؤية واضحة وهي أن الاستثمار يجب أن يكون حيث تكون القيمة الحقيقية، وحيث يكون المستقبل.

نعم، بناء المدن الجديدة، والمنتجعات، وأماكن الترفيه، مهم، وهو جزء من التحول الكبير الذي تشهده المملكة، لكن الأهم من كل ذلك هو نهج الاستثمار في الإنسان الذي باتت تنتهجه المملكة، فالإنسان هو أساس أي نهضة. فقد تبني مدينة جميلة خلال سنوات، لكن إن لم تبنِ إنساناً قادراً على إدارتها وتطويرها وصناعة اقتصادها، فإنها ستبقى مجرد مبانٍ بلا معنى، والسعودية اليوم تدرك أن تطوير الإنسان، وتعليمه، وتدريبه، وفتح الآفاق أمامه في العلوم والتقنيات الحديثة، هو الاستثمار الذي لا يخسر أبداً.

وأصبح واضحاً للجميع أن التكنولوجيا اليوم لا تحتمل الانتظار، فالتطور التقني يجري بسرعة هائلة، ومن يتأخر اليوم خطوة، سيجد نفسه بعد سنوات متأخراً بأميال، فالتقنيات الحديثة كالذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، والصناعات المتقدمة، والاقتصاد الرقمي، كلها أصبحت المحرك الأساسي للعالم الجديد، والسعودية تقول بكل صراحة وفخر وثقة أنها ستضع كل نشاطها، وتريليونات الدولارات، خلف هذه التقنيات الحديثة، لأنها تعرف أن المستقبل لن ينتظر من تخلّف عن الركب.

وكل ذلك يخبرنا بوضوح أن السعودية لم تعد تريد أن تكون مجرد مستخدم للتكنولوجيا، بل تسعى لأن تكون مصنعاً ومبتكراً لها، وهذا فرق كبير بالطبع، فالمستخدم يشتري ويستهلك، أما المصنع والمبتكر فيصنع القيمة ويقود السوق، ولذلك فإن السعودية ومعظم دول الخليج اليوم لا تريد أن تقف على هامش التاريخ، بل تريد أن تكون شريكة في إنتاج وصناعة المستقبل، لا مجرد متفرجة تنتظر ما يصنعه الآخرون.

هذا التحول لا يعني أن دول الخليج ستعطي ظهرها للبنية التحتية أو لمشاريع الرفاه التي تخدم المواطن وتمنحه الراحة، بل على العكس، المواطن سيظل في قلب الاهتمام، وكل ما يعطيه الراحة والاستقرار سيبقى أولوية، لكن الفكرة أن الرفاه الحقيقي في السنوات القادمة لن يحدث إلّا بوجود اقتصاد قوي متنوع، وفرص عمل للشباب، ومجتمع قادر على الابتكار والمواكبة والمنافسة عالمياً.

وطبعاً عندما تتقدم السعودية، وتواصل ازدهارها وريادتها، فهذا يعني أن هذا التقدم سينعكس على الجميع، فخير السعودية خير للكل، خير يمتد إلى إخوانها العرب، وهو ما نراه اليوم من مساعدات وإعانات واستثمارات سعودية تذهب إلى سوريا ولبنان وغيرهما، ورأينا مؤخراً توقيع شراكات سعودية مع سوريا في قطاعات الطيران والاتصالات والبنية التحتية والمبادرات التنموية، وهذا يؤكد لنا أن السعودية لا ترى نهضتها بمعزل عن المنطقة، بل تعتبر أن استقرار العرب جزء من استقرارها، وأن التنمية حين تتوسع، يستفيد منها الجميع.

كما أعلنت السعودية مؤخراً استراتيجيتها المحدثة لبرنامج التنويع الاقتصادي، بقيمة تريليوني دولار، وهو رقم ضخم سيتم استثماره بذكاء لتحويل الاقتصاد من الاعتماد على مورد واحد إلى اقتصاد متعدد الروافد، وهذه الخطوة هي رسالة بأن السعودية جادة في بناء اقتصاد لا يعتمد فقط على النفط، فالعالم يتغير، والطلب على النفط لن يبقى كما كان، لذلك التنويع اليوم يعتبر ضرورة حتمية لا نقاش فيها.

وهذا الواقع تدعمه الأرقام والمؤشرات العالمية، فقد توقعت وكالة “فيتش” مؤخراً أن ينمو الاقتصاد السعودي بنسبة 4.8% في عام 2026، مدعوماً بالأنشطة النفطية والقطاعات غير البترولية على حد سواء، وهذا النمو المتوازن هو الثمرة الحقيقية للمرونة التي تحدثت عنها، حيث يتم استغلال الموارد الحالية لتأسيس قطاعات مستقبلية قوية قادرة على قيادة الدفة في القادم من الأيام.

وأنا شخصياً عايشت نهضة السعودية منذ بدايتها، فقد زرتها عام 1967، وقتها أديت فريضة الحج، ورأيت المملكة في مرحلة مختلفة تماماً. كنت لا أزال في بداية حياتي المهنية، وتحديداً في مدينة جدة التي كانت حينها تخطو خطواتها الأولى نحو التحديث مع دخول عوائد النفط في مفاصل الحياة اليومية، عملت في تجارة السيارات، وتدربت مع شركة كرايزلر للسيارات، ومنذ ذلك الحين تمكّنت من قراءة مستقبل هذا البلد، حين كان واضحاً أنه يضع اللبنات الأولى لاقتصاده الحديث، ولذلك فاليوم حين أرى التحول الحالي، أشعر وكأنني أشاهد نسخة أكبر وأسرع وأكثر طموحاً من تلك البدايات التي عاصرتها.

عندما أنظر إلى ما وصلنا إليه اليوم وأقارنه بتلك البدايات البسيطة في أواخر الستينيات، أشعر بفخر عميق وبثقة مطلقة في أننا نسير على الطريق الصحيح. لقد كانت رحلة طويلة من العمل والبناء، لكن الأهم من البناء العمراني هو بناء العقلية التي تقبل التغيير وتسعى للأفضل، والسعودية اليوم هي مصنع كبير للإنجازات والابتكار والتميز في جميع المجالات، والجميل في الأمر أن هذا التطور لا ينفصل عن قيمنا وأصالتنا، بل يعززها ويرسخها، ويربط العمل بالانتماء للوطن وحب العطاء إليه ولأبنائه.

التطور لا يأتي دفعة واحدة، ولا يولد فجأة من قرار أو مشروع واحد، بل هو مسار طويل يتراكم على مراحل، لبنة فوق لبنة، حتى تصبح الدولة قادرة على القفز إلى الأمام بثقة. الدول التي لم تضع فكرة التطور في أساس بنائها منذ البدايات، غالباً ما تبقى تدور في مكانها مهما امتلكت من موارد، وما يميز دول الخليج أنها آمنت منذ وقت مبكر بأن بناء الإنسان والمؤسسات والانفتاح على العالم أهم من أي شيء آخر، لذلك رأينا الخليج يسير بوتيرة أسرع من كثير من الدول في آسيا وأوروبا، لأن التحول كان جزءًا من رؤية عميقة متجذرة.

على جميع الدول أن تعلم أننا نعيش الآن مرحلة تتطلب منا جميعاً الإيمان بأن المرونة هي الأساس، وأن القدرة على التكيف مع معطيات العصر هي التي ستجعلنا دائماً في المقدمة، والسعودية والخليج اختاروا أن يتغيروا قبل أن يُفرض عليهم التغيير، وأن يستثمروا في المستقبل قبل أن يعلقوا في الماضي، وهذه هي عقلية الدول التي تعرف كيف تقود، لا كيف تتبع، فمن يملك المرونة يملك القدرة على البقاء، بل على التفوق أيضاُ، وعلى التطور بالوتيرة التي يتطلبها زمننا الحالي.

بواسطة akmiknas

أضف تعليق