عيسى الكبير بكل ما للكلمة من معنى

حين صدر الأمر السامي لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، بتسمية هذا العام باسم “عام عيسى الكبير”، لم يكن ذلك مجرد قرار للاحتفاء باسم من الماضي، بل كان لحظة وعي وعودة إلى الجذور، وإلى الرجل الذي وضع حجر الأساس للدولة البحرينية الحديثة، صاحب العظمة عيسى الكبير، طيب الله ثراه، قائد النهضة المؤسسية في تاريخ مملكة البحرين، الذي لم يكن اسمه أبداً اسماً عابراً في التاريخ، بل عنوان مرحلة كاملة وبداية مسار ما زلنا نعيش ثماره حتى اليوم.

عيسى الكبير كبير بكل ما في الكلمة من معنى، كبير بالفعل، كبير في أفعاله، وفي أثره، وفي ما تركه من إرث مؤسسي وإنساني لا يُقاس بالسنوات بل بما أحدثه من تحول، وذلك ليس فقط لأنه حكم، بل لأنه أسّس، فهناك فرق شاسع بين من يدير، ومن يصنع دولة، وفي تاريخ البحرين، يُحسب لعيسى الكبير أنه كان مؤسس الدولة الحديثة، وقائد نهضتها المؤسسية في زمن لم تكن فيه مفاهيم الدولة والإدارة والأنظمة واضحة كما هي اليوم، كانت المنطقة تمر بتحولات صعبة، والعالم من حولها يتغير، ومع ذلك استطاع أن يضع البحرين على طريق مختلف، طريق الانتقال من البساطة التقليدية إلى ملامح الدولة الحديثة، دون انفصال عن الهوية أو الجذور.

الحديث عن عيسى الكبير هو حديث عن بداية النهضة والحضارة الحديثة في البحرين، ففي عهده، بدأت ملامح التنظيم، وبذور الإدارة، وأسس العلاقة بين الحاكم والمجتمع تتبلور بشكل واعٍ ومسؤول، لم يكن مشروعه قائماً على القفز في المجهول، بل على التدرّج، وعلى فهم عميق لطبيعة المجتمع البحريني، واحتياجاته، وقدرته على التطور، ولذلك لم تكن الدولة الحديثة في البحرين نسخة مستوردة، بل نتاج رؤية محلية أصيلة، تعرف كيف تأخذ من العصر دون أن تفقد روح المكان.

في الحقيقة، ومثل كثيرين غيري، لم أكن أعرف الكثير عن عيسى الكبير بهذا العمق قبل أن تُسلط الأضواء عليه بهذا الشكل الواضح، مع قرار حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه بتسمية العام باسمه، فهذا القرار دفعني، بدافع الفضول والاحترام، إلى البحث والقراءة، ومحاولة فهم الحكمة من وراء إحياء ذكراه في هذا التوقيت تحديداً، ومع كل كلمة قرأتها، وكل صورة وتقرير اطلعت عليه، اتضح لي أن الأمر لم يكن مجرد وفاء للماضي، بل رسالة للحاضر، وبوصلة للمستقبل.

سأطرح في هذا المقال بعضاً مما يجب أن نعرفه عن عيسى الكبير، ولعل أهم ما يجب استذكاره هو أنه قاد البحرين في مرحلة مفصلية من تاريخها، من عام 1869 إلى عام 1932، وشهد عهده تحولات كبرى أرست دعائم الدولة البحرينية الحديثة، حيث بدأ الاهتمام بتثبيت الاستقرار، وتنظيم شؤون الحكم، وبناء علاقة متوازنة بين السلطة والمجتمع، وكان عيسى الكبير، بحنكته وصبره، قادراً على قيادة هذا التحول دون أن يفقد المجتمع تماسكه أو هويته.

وشهدت البحرين في عهده أيضاً بدايات واضحة في مجالات التعليم والخدمات العامة، حيث انتشر التعليم النظامي وبدأت المدارس تأخذ دورها في إعداد الأجيال، إدراكاً منه لأهمية العلم في بناء الدولة والمجتمع، كما أُنشئ أول مكتب بريد، إلى جانب تطور الخدمات الصحية وظهور مرافق طبية أسهمت في تحسين مستوى الرعاية الصحية آنذاك، وهذه الإنجازات، إلى جانب تطور البنية الخدمية بشكل عام، لم تكن مجرد مظاهر تحديث، بل كانت تعبيراً عن رؤية بعيدة المدى تؤمن بأن الدولة القوية تُبنى بالإنسان، وبالعلم، وبالخدمات التي تلامس حياة الناس اليومية، وهو ما جعل إرث عيسى الكبير ممتداً في تفاصيل الدولة البحرينية حتى يومنا هذا.

كما أنه وضع الأساس الأول للعمل الأمني والشرطي المنظم في البحرين، في مرحلة كان فيها الأمن الركيزة الأهم لأي مشروع دولة حديثة، فقد أدرك مبكراً أن الاستقرار لا يتحقق إلا بوجود نظام أمني واضح المعالم، قائم على القانون، وحماية الناس، وتنظيم شؤونهم، وهذا التوجه أسهم في ترسيخ سيادة النظام، وتعزيز الطمأنينة داخل المجتمع، وخلق بيئة آمنة مكّنت البحرين من الانطلاق نحو ازدهار اقتصادي وعمراني متميز، فالأمن الذي أرسى دعائمه لم يكن هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لبناء مجتمع مستقر، تُحمى فيه المصالح، وتزدهر فيه التجارة، وتتوسع فيه المدن، في إطار دولة تعرف أن الأمن الحقيقي هو الأساس الذي تقوم عليه أي نهضة مستدامة.

وأنا فخور أيضاً بمعرفتي بالشيخ عيسى، حاكم البحرين، والد الملك المعظم، الرجل العميق ببساطته، الذي خبر الحياة، وفهم الناس، وأدار شؤون البلاد بعقلية الدولة لا بعقلية الفرد، لم يكن استعراضياً، ولم يبحث عن المجد الشخصي، بل عن الاستقرار، وعن بناء كيان قادر على الاستمرار بعده، وهذه، في نظري، أعظم صفات القادة الحقيقيين.

وحين ننظر اليوم إلى المسار القيادي في البحرين، من جلالة الملك المعظم إلى سمو ولي العهد، لا يسعنا إلا أن نلحظ امتداد هذه المدرسة، مدرسة الدولة والمؤسسات، لا الأشخاص، بل ونرى اليوم في سمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، نجل سمو ولي العهد، ملامح قائد محترم، هادئ، متزن، يستحق أن يحمل هذا الاسم بجدارة، فيبدو وكأن اسم عيسى أصبح إرثاً ومسؤولية معاً، وكأن من يحمل اسم عيسى في البحرين اليوم في القيادة الرشيدة يحمل القدر نفسه من العمق التاريخي الذي تمتع به عيسى الكبير.

إن تسمية هذا العام الجديد الذي استقبلناه منذ أسبوعين بـ “عام عيسى الكبير” هي دعوة لنا جميعاً، أفراداً ومؤسسات، لإعادة قراءة تاريخنا الوطني بوعي، وبفهم، كما أنها فرصة لنعرف كيف بدأت الدولة، ولماذا نجحت، وكيف يمكن أن نحمي هذا النجاح في عالمنا المضطرب اليوم، وهي أيضاً تذكير بأن النهضة لا تولد فجأة، بل تُبنى بصبر، وبقادة ملهمون يعرفون كيف يقودون.

لا بد أن نعرف أن عام عيسى الكبير ليس عاماً للماضي فقط، بل عام للحاضر والمستقبل، عام نعيد فيه الاعتبار لفكرة الدولة، وللقائد المؤسس، وللمعنى الحقيقي للقيادة، وأنا شخصياً، بعد هذه الرحلة في التعرف أكثر على عيسى الكبير، أقولها بثقة وامتنان: نعم، نحن محظوظون بتاريخنا، ومحظوظون بقائد أسّس، وبقيادة تواصل النهج نفسه، وبوطن يكرّم جذوره وهو يمضي بثبات نحو الغد.

بواسطة akmiknas

أضف تعليق