التحدي الجديد

من الواضح أن الأمن السيبراني أصبح عماد الأمن القومي، وعلى ذات المستوى من الأهمية إن لم يكن أكثر من فروع أمنية أخرى مثل الأمن الاقتصادي والأمن الغذائي، وجاء المؤتمر والمعرض الأول للأمن السيبراني الذي استضافته البحرين مؤخرا بالتوقيت المناسب نظرا لتعاظم أهمية هذا الموضوع الحيوي، خاصة مع المشاركة رفيعة المستوى من شركات ومتحدثين وخبراء مميزين حول العالم.

لا أدعي أني ملم بكل جوانب الأمن السيبراني، لكن هذا المصطلح الذي بدأ يتداول كثيرا خلال السنوات القليلة الماضية جعلني أهتم به وأقرأ عنه، واكتشفت أن كل واحد فينا معني به، فكل من يتصل بشبكة الانترنت من خلال هاتف نقال أو جهاز كمبيوتر هو عرضة للاختراق والتتبع وسرقة البيانات والمعلومات والأموال أو الابتزاز، على مستوى الأشخاص أو المؤسسات والشركات والمنظمات.

بل إن الأمن السيبراني بات ساحة صراع محتدمة بين الدول، وما نراه من قصف عنيف ومدوي بالصواريخ والقذائف والطيران والمدافع بين روسيا وأكرانيا ربما يكون أقل حرارة من رحى الحرب السيبرانية بين البلدين، والتي تستهدف تخريب الأنظمة الدفاعية، ومتابعة تحركات القطع العسكرية، وتخريب كل ما يمكن تخريبه من شبكات كهرباء ومياه وصرف صحي وأي شيء متصل بشبكة الانترنت.

الحرب الباردة لم تتوقف، لكن شكلها تغير، بين الصين والولايات المتحدة اللتين تتبادلان التهم بشأن اختراق أنظمة بعضهما البعض، والتجسس على الخطط العسكرية والسياسية والتقنية والصناعية وغيرها، ولا ننسى الاتهامات لروسيا بشأن التدخل في الانتخابات الأمريكية من خلال الاختراق والعبث بمحتوى الانترنت.

كما أن الحرب السيبرانية لا تتوقف بشكل خاص بين أجهزة المخابرات، فلم يعد يلزم تجنيد الجواسيس وتدريبهم لسنوات طويلة قبل إرسالهم للحصول على معلومة هنا وهناك، وبات جيمس بوند من الماضي، بعد أن أصبح التوجه نحو تدريب قراصنة سيبرانيين قادرين على اختراق أجهزة الكمبيوتر وشبكات ونظم المعلومات، والحصول على ما يريدون من معلومات، دون أن يعرضوا أنفسهم لأدنى خطر.

ولم يعد الأمر مقتصرا على هاكرز أو مخترق هنا أو هناك، بل أصبح أكثر تنظيما، فهناك عصابات تعمل في مناطق مختلفة من العالم مستهدفة القطاع المالي بشكل أساسي إضافة إلى شركات الطاقة والشركات الصناعية وغيرها، وبعض هذه العصابات يعمل برعاية من شركات ومنظمات تريد التجسس على منافسيها.

حتى أن الأمر أصبح أكثر خطورة، فمن المعروف أن دولا تستأجر هذه العصابات، بل ربما تقوم بتشكيلها واحتضانها وتدريبها وتقديم كل ما يلزم لأفرادها من حماية ورفاهية، ثم استخدامها كسلاح فعال مخفي ضد دول أخرى، عدوة كانت أو صديقة، ومن المعروف أن إيران هي إحدى الدول المارقة التي ترعى مثل هذه العصابات، وإذا كانت عصابة الهاكرز الروسية مثلا تدخل لتسرق المعلومات وتخرج دون أن يشعر بها أحد، فإن عصابات الهاكرز الإيرانية الأقل تدريب وخبرة تدخل دون أن تعرف كيف تخرج، لذلك لا يكون أمامها خيار سوى التخريب والتدمير.

وإسرائيل تنبهت باكرا لأهمية الأمن السيبراني واستثمرت فيه كثيرا، حتى أصبحت في المرتبة الأولى في الشرق الأوسط في هذا المجال، بل استفادت منه أيضا على الصعيد التجاري، حيث باتت شركاتها تبيع خدمات الأمن السيبراني بالمليارات لكثير من دول العالم.

فالتقنيات الحديثة تحمل معها تحديات جديدة، فعندما بدأنا باستخدام الانترنت لم نكن نعلم أن خصوصيتنا ستصبح في خطر، وعندما حملنا الهاتف الجوال لم نكن نعلم أن الشريحة بداخله تجعل موقعنا محدد بدقة لجهات أخرى، بل إن بعض التطبيقات المعروفة من جوجل يتابع تحركاتنا ويرسل لنا في نهاية كل شهر الطرق التي مشينا فيها وكم مكثنا في كل مكان جلسنا فيه!

لكن هذا لا يعني بحال من الأحوال التخلي عن التقنيات الحديثة، لأنها باتت أساسية في حياتنا اليومية وفي عملنا، لكن لا ضير من أن يكون لدينا مستوى جيد من الوعي في كيفية الحفاظ على خصوصيتنا وأمننا الإلكتروني والسيبراني، وأعرف أشخاصا يضعون جوالاتهم في الثلاجة عندما يريدون التحدث بشيء ما أو القيام بفعل ما سري أو حساس، خشية التجسس عليهم.

نرجو أن يسهم استضافة البحرين للمؤتمر والمعرض الأول للأمن السيبراني في فتح الباب على تعاون دولي أوسع لمواجهة التهديدات السيبرانية، وتسهيل التبادلات بشأن القوانين واللوائح السيبرانية، وأن يؤكد هذا الحدث التزام البحرين بحماية مصالحها في الفضاء السيبراني، وتطوير الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني من أجل معالجة التهديدات السيبرانية الحالية والمتصاعدة بالإضافة إلى تقليل المخاطر المرتبطة بها، ولتصبح البحرين نموذجًا يحتذى في هذا المجال.

أود أن أقول شيئا أخيرا في هذا الموضوع، وهو أنه لعل أهم ما يجب أن نفعله أن ننشر بيننا الوعي بحماية أنفسنا وأعمالنا من الاختراق، والأهم من ذلك تعميم القيم والأخلاق الحميدة في المجتمع، وكما سارتر عن حق الفرد: “لا تفعل بصديقك ما لا تريد أن يفعله بك”.

الإعلان
بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s