جاكوار إي تايب

قرار وزير الداخلية معالي الفريق أول الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة بإعطاء السيارات الكلاسيكية التراثية أرقاما خاصة وتنظيم تسجيلها يبين اهتمام البحرين بهذا المجال الذي يشكل جزءا مهما وجميلا من تاريخ البحرين والمنطقة والعالم.


هذا القرار أعاد لي ذكريات حول بداياتي الأولى في رحلتي نحو شعف وإدمان السيارات التراثية، منذ العام 1987 وحتى الآن، ولا زالت محطات هذه الرحلة تتوالى ولا زلت شغوفا باقتناء السيارات الفريدة من نوعها حول العالم.
بدأ كل شيء عندما أخبرني رئيس قسم الإبداع في شركتي «بروموسِفِن» عن شغفه بالسيارات الكلاسيكية التراثية القديمة، وأنه يريد شراء سيارة من نوع «جاكور إي تايب» من الولايات المتحدة الأمريكية، وأخبرني أنه لو اشتريت أنا أيضا سيارة أخرى من نفس المعرض ونفس الطراز فسنحصل على خصم من 15 إلى 20 بالمئة من سعر كل سيارة.
لم أكن أعلم أن هذه الخطوة ستقودني إلى أن أصبح عاشقا بل ومدمنا للسيارات القديمة، إدمان لا أعرف سره أو خفاياه، وكأن كل سيارة منها تنقل حكايات الزمن الغابر إلى الحاضر، ترويها لنا من خلال تصميمها وشكل مصابيحها وتموضع مقودها وصوت محركها.
في الميكانيك الخاص بها تعقيدات الماضي وبساطته في ذات الوقت، وفكر وإبداع من كانوا قبلنا وخلاصة حماستهم وذوقهم ورؤيتهم متجسدين في مركبة تتحرك تلقائيا وكأنها جني أو بساط ريح خرج للتو من كتب الأساطير.
كان المبلغ الذي دفعته لقاء شراء سيارة الـ«جاكور آي تايب» على ارتفاعه أقل من مجموعة المبالغ التي دفعتها لاحقا من أجل إعادة تشغيل هذه السيارة ورفع مستوى جاهزيتها وضمان سلامتها على الطرقات، وبدأت بقيادتها والتبختر بها وكأنها عربة تجرها خيول.
ركنت سياراتي على جنب، وبدأت باستخدام هذه الجاكور في معظم مشاوري، لكن المدير البريطاني عندما رأي ذلك نبهني إلى أن هذه السيارة ليست للاستهلاك اليومي، وإنما للتلذذ بقيادتها في نزهة بين الفينة والأخرة. وهذا ما كان. بل أود القول إنني لا زلت أقود هذه السيارة في بعض أيام العطلة هنا في البحرين، ولا زال شغفي بها وكأنني أقودها لأول مرة.
الجاكور آي تايب قادتني بسرعة إلى البدء بتكوين مجموعتي الخاصة من السيارات الكلاسيكية، فما هي إلا أشهر حتى وجدت نفسي في مزاد في بريطانيا واشتريت ثلاث سيارات دفعة واحدة أقدمها فرنسية من نوع «كليمونت» تعود للعام 1912 ومصنوعة يدويا بالكامل، وكان يقودها جنرال في الجيش الفرنسي خلال الحرب العالمية الأولى، ثم اشتريت بعدها سيارة «فورد تي» سوداء اللون، وهي أول سيارة في العالم يتم إنتاجها على خط تجميع السيارات الذي ابتكره السيد هنري فورد، وقال فيها عبارته الشهيرة «تستطيع أن تمتلكها بأي لون تريد شرط أن يكون أسود». لأشتري بعدها رولز رويس وفراري وغيرها.
في أحد السنوات قدمت مجموعتي من السيارات القديمة للعرض في مجمع الدانا الذي كان في أوجه في ذلك الوقت، واستمر المعرض لنحو أربعة أشهر وكان الإقبال عليه كبير جدا، حتى أن المسؤول عن المجمع قال لي حينها إن الحركة التجارية لديهم نشطت كثيرا نتيجة للمعرض.
ولأبقيها قريبة من قلبي، حرصت على تجهيز مكان مناسب لمجموعتي من السيارات القديمة في منزلي الحالي في منطقة النبيه صالح، ووفرت لها مختصين من أجل صيانتها الدائمة والاعتناء بها والحفاظ على جاهزيتها، وفي كل يوم جمعة أختار واحدة منها، أقودها ساعة أو ساعتين، ويمنحني ذلك سعادة غامرة.
طبعا ليس هناك مجالا للمقارنة بين قيادة السيارات الحديثة، الأكثر راحة وأمنا وسرعة واستجابة مقارنة بالسيارات القديمة، لكن للسيارات القديمة نكهة خاصة لا يستطيع تذوقها إلا من لديه شغف التراث وحب هذا النوع من السيارات.
وأذكر أني ذات مرة زرت متحفا في سويسرا يضم سيارات كلاسيكية قديمة تملكها شخصيات مختلفة قدمت هذه السيارات للمتحف بغرض تشجيع السياحية، وعندما يريد مالك السيارة استخدامها فإنه يطلب من المتحف ذلك قبل يومين، ليتولى العاملون في المتحف تجهيزها وتسليمها له، ثم يعيدها إلى المتحف بعد الانتهاء منها. وعرفت أن الحكومة السويسرية مهتمة كثيرا بالسيارات التراثية، وتحرص على توفير ما يلزم من أجل صيانتها والحفاظ عليها.
وفي بريطانيا، من يملك سيارة قديمة لا يدفع أي جمارك أو مصاريف تسجيل سنوية أو شيء من هذا القبيل، بل على العكس يحصل من الحكومة على مبلغ 15 إلى 20 باوند سنويًا لإنفاقها على ما تتطلبه السيارة من عمليات صيانة دورية.
ويتزايد الاهتمام بهذه السيارات في مختلف ارجاء قارة أوروبا، ويتم تنظيم عدة فعاليات على مدار العام، من بينها سباقات خاصة بالسيارات القديمة تحظى بشعبية ومتابعة كبيرة، وربما يعرف الجميع ويتابع رالي مونت كارلو للسيارات القديمة، والذي بات أحد معالم هذه المنطقة الواقعة على ساحل البحر المتوسط في إمارة موناكو الفرنسية.
وأنا شخصيا قبل نحو عشر سنوات شاركت في هذا السباق، وشحنت حينها واحدة من أفضل وأسرع مجموعتي من السيارات القديمة جوا إلى فرنسا، وساعدتني بذلك الحكومة الفرنسية ومنظمي رالي مونت كارلو تحديدا، وكانت تجربة رائعة لا تنسى، عبارة عن مزيد من الخوف والحماس معا، الخوف الناجم عن تعطل السيارة أو تدهورها لسبب أو لآخر، والحماس الصاخب الناتج عن طبيعة الحدث والسباق، وفي الواقع وجدت أن القائمين على السباق اتخذوا جميع الاستعدادات اللازمة، بما في ذلك تجهيز فرق من المهندسين والفنيين لتقديم أي دعم والتعامل باحترافية وسرعة مع أي طارئ.
ولا زلت حتى اليوم أقدم عددا من السيارات القديمة التي أملكها ليتم عرضها سنويا في الفورمولا 1، إضافة إلى فعاليات أخرى مثل الأعراس التي تستقطبها البحرين، إذ جرى زف عرسان هنود بإحدى سيارتي أكثر من مرة، وهذا يعطينا مثالا واضحا حول الدور الذي يمكن أن تقوم به هذه النوعية من السيارات في خدمة قطاع الجذب السياحي.
وفي الواقع، لا بد لي هنا من أن أجدد إشادتي بقرار وزير الداخلية بشأن لوحات أرقام تسجيل المركبات الأثرية (الكلاسيك) وضوابط صرفها. هذه المبادرة الميمونة أسعدتني، وأهنئ نفسي بهذه المناسبة وأهنئ جميع عشاق السيارات القديمة وفي مقدمتهم أخي وصديقي العزيز سعادة الشيخ أحمد بن علي بن عبدالله آل خليفة رئيس مجلس إدارة نادي البحرين للسيارات. وأرى أن هذا القرار يمهد الطريق أمام مزيد من تنظيم هذا القطاع المهم في مملكة البحرين، وتعزيز الدور الحضاري والتراثي والتجاري والسياحي والترفيهي الذي تلعبه السيارات الكلاسيكية التي أحب.

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s