التصعيد مستمر

ما زالت أمريكا والغرب يصعد وروسيا ترد بالمثل، فيما العالم كله يدفع الثمن، الأوكرانيون بشكل خاص الذين أصبح كثير منهم بين ضحية ونازح ولاجئ، وباقي البشر على هذا الكوكب الذين باتوا يعانون أكثر من شح الغذاء وارتفاع الأسعار بل حتى التوجس من حرب نووية.


يحدث كل هذا في وقت ما زلنا فيه نلملم آثار الجراح العميقة التي تركتها جائحة كورونا فينا صحيا واقتصاديا واجتماعيا، كما أن العالم لم يتعافَ بعد بشكل كامل من هذا الفيروس الذي ما زال حتى اليوم يطل برأسه في مناطق مختلفة مثل بعض المدن الصينية وغيرها، ويفرض إغلاقا على العديد من أوجه الحياة العامة، دون أن ننسى جدري القرود وغيره من المفاجآت غير السارة.
واعتقد أن جوهر الحرب الروسية – الغربية في أوكرانيا هو الرغبة في إثبات القوة، خاصة أن العمليات القتالية شبه مجمدة على الأرض ولا يتمكن طرف من هزيمة طرف عسكريا ولن يتمكن، كما أن المفاوضات بين الطرفين تراوح مكانها بسبب عدم تقديم تنازلات واقعية.
ومن الواضح أن روسيا كانت ترغب بحرب خاطفة في أوكرانيا تحقق فيها غاياتها، خاصة وأنها حشدت أكثر من ثلث جيشها الجرار لخوض هذه الحرب، لكن قادة الكرملين تفاجؤوا بحجم المقاومة الأوكرانية، وبالموقف الحاسم من قبل أوروبا والولايات المتحدة الذين اتحدا هذه المرة ضد روسيا.
وباتت روسيا اليوم وكأنها تتعايش مع مرض مؤلم لكن غير قاتل، وتعمل على التأقلم معه مهما طال، وكلما وجه الغرب لها لكمة هنا أو هناك امتصتها، بل وردت بلكمة أخرى، فيما العالم كله يعاني، تماما كما يقول المثل «عندما تتعارك الفيلة تسحق العشب».
وفي الواقع لا أستطيع أن أرى فائدة لهذه الحرب، سوى أن جميع الأطراف تورطت فيها: روسيا أولا، ثم أوكرانيا والغرب والولايات المتحدة، وليس هناك مخرج نجاة يحفظ ماء الوجه، وليست هناك الكثير من الحلول على الطاولة التي قد تقبل بها جميع الأطراف.
وأسأل نفسي: ما هي أهمية أوكرانيا مثلا بالنسبة لأمريكيا؟ ولماذا هذا الدفاع المستميت عنها والذي قد يشعل حربا نووية؟ لكن بالمقابل، لماذا كل هذه الحساسية والتخوف الروسي من أوكرانيا؟ حتى لو انضمت للناتو وكان فيها قواعد عسكرية أمريكية أو أوروبية، هل سيتم استخدامها لقصف موسكو حقا؟
ثم أن أمريكيا تنشر الكثير من الصواريخ التقليدية والنووية في معظم أنحاء العالم، بما فيها دول محاذية لروسيا، كما أن البوارج الأمريكية موجودة في البحر الأسود وبحر الصين الجنوبي وبحر اليابان وغيرها، وكلها بوارج قادرة على إطلاق صواريخ برؤوس نووية.
فهل اعتقد الروس أن غزوهم لأوكرانيا سيكون بمثابة نزهة كما فعلوا عندما أعلنوا ضم شبه جزيرة القرم لدولتهم ومن قبله إقليمي أبخازيا وأوسيتيا؟ وهل بنوا حساباتهم تلك على معلومات خاطئة لأجهزة مخابراتهم حول الجيش الأوكراني أو تقديرات خاطئة قللت من أهمية رد الفعل الغربي؟
بالمقابل، الولايات المتحدة تقدم الدعم اللوجستي والعسكري لأوكرانيا بطريقة تمنع انتصار الروس في أوكرانيا وليست كافية لهزيمتهم في الوقت ذاته، مستهدفة بذلك استنزاف روسيا أكثر وأكثر من خلال إطالة أمد صراع بعيد عن الأراضي الأمريكية.
لكن هذا لا يعني أن أمريكيا لا تعاني أيضا، خاصة بعد أن انكشف مرة أخرى مدى ضعف سلاح الدولار الذي تستخدمه أمريكيا لمعاقبة أعدائها اقتصاديا، بل إن الدولار ذاته أصبح أكثر وأكثر محل شك وارتياب كعملة عالمية موثوقة، وبات مستقبله على المحك، بل إنني قرأت تقارير لاقتصاديين وأخرى لبنك كريدي سويس تتحدث عن إمكانية العودة لزمن المقايضة بعيدا عن الدولار الذي تطبع واشنطن منه ما تشاء وقتما تشاء.
ولقد أكد جلالة الملك المعظم خلال استقباله سيرجي لافروف وزير الخارجية الروسي مؤخرا على أهمية حل الصراع في أوكرانيا بما يحقق مصالح البلدين الجارين وأمن واستقرار القارة الأوروبية وعلى الأمن والسلم الدولي، وضرورة اللجوء الى الحوار والحلول الدبلوماسية وفق قواعد القانون الدولي من أجل التوصل الى تسوية سياسية تنهي النزاع وتضمن الأمن والسلم لكافة الأطراف، وتحفظ حياة المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية والإغاثية للاجئين والنازحين.
في إطار هذه الرؤية يبرز الموقع الواقعي والشجاع والذكي لمملكة البحرين ودول الخليج العربي تجاه ما يحدث في أوكرانيا، وهذا ما يضع هذه الدول في ساحة اللاعبين العالميين الكبار، ويؤكد للولايات المتحدة تحديدا أنه ليس في جيبها شيك على بياض من دول الخليج، خاصة بعد مواقفها تجاه العديد من الملفات مثل الاعتداءات الحوثية على منطقتنا والبرنامج النووي الإيراني.
نعم لعالم متعدد الأقطاب تتوازن فيه قوى عظمى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين، وليس عالم القطب الواحد الذي تهيمن عليه توجهات وأمزجة الحزب الحاكم في واشنطن. لقد قال الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش مؤخرا إنه خطأ جسيم أن يتخذ رجلا واحدا قرار غزو دولة دون أن يردعه أحد، مشيرا في حديثه إلى العراق بدل أوكرانيا، في زلة لسان فضحت إجرامه وربما ندمه عندما صم آذانه عن كل دعوة للحل وأصر على غزو العراق، كما لا زلنا نقرأ عن المواقف المخزية لخلفه باراك أوباما تجاه أحداث العام 2011 في البحرين ودور إدارته الهدام في تلك الفترة.
لا أعرف كيف ستنتهي الحرب الروسية الأوكرانية، فعلى الصعيد الميداني من الصعب أن يحقق الجيش الروسي نصرا كاملا في ظل وجود جيوب مقاومة مدعومة عسكريا من الغرب، وهذا ما يعيد سيناريو الوضع السوفيتي الأفغاني إلى الواجهة، أما على الصعيد السياسي، فرغم أن كييف وموسكو بدأتا عقد محادثات للسلام، لكن لا يمكن التفاؤل بالحصول على أي نتائج سريعة، كما أن الشعب الروسي حتى ولو عارض الوضع الاقتصادي، فإنه سيلقي باللوم على الغرب، وليس بالضرورة على رئيسه.
أعان الله الأوكرانيين على إعادة بناء بلدهم، خاصة أنه يجب عليهم ألا يثقوا كثيرا في وعود التمويل التي يقدمها لهم العالم الغربي والولايات المتحدة، وأعان الله السوريين واللبنانيين والليبيين والصوماليين وغيرهم من الشعوب التي استعرت حروبا ونزاعات في بلادهم وعليها، وما زالوا ينشدون حتى الآن واقعا لا تتهدد فيه حياتهم ولا تهان فيه كرامتهم بسبب حروب ونزاعات لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s