لن يهدأ البركـان

جاءت جريمة اغتيال الصحفية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة لتذكرنا بالهمجية التي تمارسها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني الأعزل، ليس في جنين فقط حيث اغتيلت أبو عاقلة، بل في القدس والضفة الغربية وغزة وسائر الأراضي الفلسطينية، ولتؤكد لنا مرة أخرى ألا راحة للفلسطينيين والعرب والعالم، وللإسرائيليين أنفسهم، إلا بالسلام العادل الذي يعيد الحقوق السليبة لأصحاب الأرض.

إنه البركان الفلسطيني الذي يثور ويصب حممه منذ أكثر من سبعين عاما، والذين لن يهدأ إلا بعد أن تهدأ الأرض فوقه، بركان الشعب الفلسطيني الذي أثبت أنه عزمه صلب وذاكرته حديد رغم مرور السنين وتعاقب الأجيال، وأنه قادر على مواصلة تقديم التضحيات تلو التضحيات، إنه بالفعل شعب الجبارين.

لقد قتلت قوات الاحتلال الإسرائيلي شرين أبو عاقلة برصاصة أطلقتها على مسافة أقل من 130 مترا، في وقت كانت الشهيدة ترتدي ملابس كتب عليها من أسفلها إلى أعلاها كلمة صحافة. قتلتها برصاصة في الوجه، نعم، قتلتها وجها لوجه، ولربما نظر القاتل عبر منظار قنَّاصته في عيونها، وصب عليها جام كرهه وحقده وتعصبه من خلال رصاصة اخترقت رأسها.

ورغم الدلائل الدامغة على أن الجيش الإسرائيلي هو من قتل أبو عاقلة، ما زالت إسرائيل ترفض الإعلان عن مسؤوليتها الكاملة عن هذه الجريمة أو أن أحدا من جنودها سيعاقب على ما اقترفت يداه، والجيش الإسرائيلي قال إنه «لا يمكن تحديد مصدر إطلاق النار الذي أصاب الصحفية شيرين ابو عاقلة»، وأدى إلى مقتلها، لكن ألا يكفي الاعتداء على نعش أبو عاقلة وإرهاب المدنيين المشاركين في جنازتها لإثبات من هو المجرم؟

ولقد تواصلت رسائل استنكار التصرفات الوحشية التي قامت بها قوات الشرطة الإسرائيلية خلال تشييع جثمان أبو عاقلة إلى مثواها الأخير، فلم تكتف قوات الاحتلال بإعدام الشهيدة بدم بارد، بل طاردت جثمانها حتى دفنها، فلماذا يا ترى تخاف إسرائيل من نعش مرفوع على الأيدي؟

قوات الاحتلال ضرب عرض الحائط بكل ذلك، بل واعتقلت الشاب الفلسطيني عمرو أبو خضير، وهو الذي ظهر في أشرطة فيديو، يتعرض للضرب من قبل الشرطة الإسرائيلية، أثناء حمله تابوت الصحفية شيرين أبو عاقلة، حتى أطلق عليه الفلسطينيون لقب «حامي التابوت».

وفي الواقع لم نكن نتوقع من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أي رد ذو معنى على هذه الجريمة النكراء، وبالفعل اكتفت الغرب بترديد عبارات فضفاضة خجولة من قبيل «استخدام غير مبرر للقوة» و«سلوك غير متكافئ من شأنه تأجيج التوترات»، و«ضرورة ضبط النفس»، و«التعامل باحترام ورصانة».

كتبت في مقال سابق حول أن الحرب الأوكرانية كشفت بشكل لا لبس فيه أن الغرب بشكل خاص أعور، وليس أعمى، فقد انتفض ضد روسيا عندما غزت أوكرانيا بشكل لا سابق له، وأغرق موسكو بعقوبات متلاحقة طالت حتى القطاع الرياضي الروسي، ولو كانت شيرين أبو عاقلة قتلت في أوكرانيا لرأينا استنكارا غربيا أقوى بكثير.

سألت وقتها عن منظمات المجتمع الدولي بما فيها هيئات حقوق الإنسان وصحفيون بلا حدود وغيرها، والتي تحولت إلى كتيبة متقدمة في الحرب ضد روسيا، لكن يبدو أن مقتل صحفية عربية موضوع مختلفٌ عليه في أروقة هذا المنظمات، وفيه وجهات نظر عديدة، رغم أن القانون الدولي الإنساني ينص على أن الصحفيين المدنيين الذين يؤدون مهماتهم في النزاعات المسلحة يجب احترامهم وحمايتهم من كل شكل من أشكال الهجوم المتعمد.

بالمقابل نجد أن العرب يواجهون حتى التطرف الإسلامي المتمثل في حركات مثل داعش والحوثي وحزب الله بالشدة والحزم والأفعال على أرض الواقع وليس مجرد الأقوال، والمستغرب أن الولايات المتحدة لا تظهر حماسا في مواقف كثيرة لدعم العرب في حربهم مع التطرف.

وبالعودة إلى الشأن الفلسيطني يجب التأكيد على أن تلك الأفعال الإسرائيلية الإرهابية الهمجية الشنيعة تجاوزت بكثير حتى أفعال نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، والذي أوغل في دماء الأفارقة أهل البلد، لكنه فعل ذلك لتحقيق أهداف اقتصادية وانطلاقا من مرتكزات العبودية التي كانت ما زالت سائدة في ذلك الوقت، ولم يكن يحمل لهم كل هذا الكره والبغضاء والضغينة والرغبة في القتل لمجرد القتل.

ومن الواضح أن إسرائيل تقتل نفسها من الداخل كلما ازدادت يهوديةً وتطرفا، فالحركات الدينية اليهودية المتطرفة لم تعد مجرد جماعات معزولة، بل باتت ممثلة بقوة في الكنيست والحكومة الإسرائيلية، وتخطب ودها حتى الأحزاب اليسارية والعلمانية طعما في الحصول على أصواتها الانتخابية، وباتت إسرائيلي أكثر عنفا وإرهابا ليس ضد العرب مسلمين ومسيحين فقط، بل حتى ضد اليهود غير المتعصبين.

شيرين، الفلسطينية الأمريكية، ومن خلال مسيرة حياتها ثم استشهادها وهي تدافع عن الأرض وأهلها من الفلسطينيين، ليست هي الوحيدة من المسيحيين الذين برهنوا على انتمائهم والتصاقهم بأوطانهم، بما فيهم مثلا إدوارد سعيد وجورج حبش وغيرهم الكثير، فهذه هي روح العروبة وجذوتها، تتوهج وتخبو، لكن لا تنطفئ أبدا.

ولا ننسى أيضا الانتهاكات الإسرائيلية للمقدسات الإسلامية والمسيحية في فلسطين، بما في ذلك اقتحام قوات الأمن الإسرائيلية المسجد الأقصى وانتهاكات حرمته والاعتداءات على المصلين، في إطار السياسية الإسرائيلية القائمة على التهديد والاستفزاز والاستيلاء على أماكن عيش الفلسطينيين، مسلمين ومسيحيين، وارتكابها جرائم ترويع وقتل.

لقد أثبت العرب والمسلمون على مر التاريخ أنهم أهل نبل وأخلاق، وأن رسالتهم رسالة أخوة وحضارة، وعندما حمل العرب لواء الإسلام في سنواته الأولى عملوا بمبدأ الحديث الشريف «لا فضل لإعرابي على عجمي إلا بالتقوى»، لذلك انتشر الإسلام بسلاسة لدى شعوب المنطقة قاطبة، بما فيهم الأتراك والكرد والأمازيغ وغيرهم، بل أصبحوا أشد حماسة ودفاعا عن الإسلام في بعض الأحيان من العرب أنفسهم.

ولقد تسلم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه مفاتيح القدس من البطريرك صفرونيوس، وكتب عهداً لأهلها باسم «العهدة العمرية» يؤمنهم فيها على أرواحهم وشعائرهم الدينية، كذلك لم يمثِّل صلاح الدين الأيوبي بأعدائه الصليبيين عندما هزمهم في معركة حطين، وقبله نشر الفاتحون الأوائل طارق بن زياد وعبدالرحمن الداخل وغيرهم العلم والحضارة في الأندلس.

هذا هو ماضينا، وهؤلاء هم رجالنا وقدوتنا، ومنهم نستلهم مواقفنا في وقتنا الحاضر، بما في ذلك انفتاح قادة دول خليجنا العربي على إسرائيل وتعاملهم مع الأمر الواقع، في مسعى لفرض تطبيع أو تعاون أو سلام الأقوياء، السلام الذي يضع القضية الفلسطينية ومصلحة الشعب الفلسطيني في مقدمة اعتباراته.

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s