لماذا تكرهني! 

لقد آمنت دائمًا أن الإنسان أخو الإنسان، بصرف النظر عن اللون أو العرق أو الدين أو الطائفة أو اعتبارات أخرى، وأن الله سبحانه وتعالى خلقنا جميعًا كبشر على صور وطباع مختلفة من أجل إثراء التنوع الذي تحفل به الطبيعة، ولتكون حياتنا على هذه الأرض فرصة لتعارفنا وعملنا مع بعضنا البعض على إعمارها.

لكن مع الأسف، لا زال هناك من يعتقد بالفوقية والتفرد والأفضلية على غيره من البشر، وأن لونه وعرقه ودينه يميزه عنهم، بل يعطيه الحق في تدنيس معتقداتهم وتهديدهم بل وحتى قتلهم، إما لأنه يؤمن بذلك بالفعل، أو لتحقيق مآرب سياسية أو اقتصادية أو لمجرد التميز والظهور بمظهر المختلف.

ولقد ظهر هذا جليًا في الحرب الروسية في أوكرانيا مؤخرًا، حيث تنازلت الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا عن مطالبها بمنع تدفق اللاجئين، لأن اللاجئين هذه المرة ليسوا عربًا أو أفغانًا أو مسلمين، بل من ذوي العرق الأبيض والعيون الملونة، وقد كتبت عن هذا الأمر في مقال سابق، وأصبحت الأمور أكثر وضوحًا حول أن المعايير الدولية لحقوق الإنسان معنية أكثر بالإنسان الغربي مقابل عدم اكتراثها كثيرًا بالإنسان الفلسطيني مثلا.

هذه الحرب أحرجت أيضا عددا من قادة الأحزاب اليمينية الذين طالما عرف عنهم تأييدهم للرئيس الروسي فلاديمير بوتين على اعتباره القائد الشجاع المخلص، ولم يستطع معظمهم الدفاع عن بوتين، في العلن على الأقل.

بل إن الروس والأوكرانيين يكادوا يكونوا شعبًا واحدًا من سلالة واحدة، وكثير من الأوكرانيين متزوجون من روسيات والعكس صحيح، لكن تصاعد اليمين المتطرف في أوكرانيا أو ما يسمون بـ«النازيين الجدد»، مقابل طموحات بوتين بالسيادة واستعادة أمجاد الاتحاد السوفيتي، أدى إلى صدام أسفر عنه ما نشاهد الآن من حرب ودمار ومقابر جماعية، بل حتى وتهديدات باستخدام السلاح النووي.

في فلسطين كذلك يقوم متطرفون إسرائيليون بارتكاب فظائع بحق شعب فلسطيني أعزل، والغريب في الأمر أن الذريعة أو الدافع الذي اعتمد عليه اليهود في بناء دولة لهم هي اضطهادهم من قبل النازيين الألمان في الحرب العالمية الثانية، فكيف لهم أن يتبنوا هذه الازدواجية؟ وكيف للغرب أن يصمت عن جرائمهم؟ بل وربما يشجعها في بطريقة أو بأخرى. ولا ننسى أن الحركة الصهيونية تغرس في أذهان اليهود أنهم شعب الله المختار، وأنهم متميزون عن غيرهم، وهذا ما جلب عليهم نقمة المجتمعات التي عاشوا فيها في ألمانيا وبريطانيا وغيرها.

لكن يبقى الإسلام أو ما يعرف بـ «الإسلاموفوبيا» هو الهدف الأكبر لهذه الأحزاب، وهو ما تجسد في أحدث صوره بما يحصل في عدد من المدن السويدية حاليا بعد حرق نسخ من المصحف من قبل جماعة يمينية متطرفة مناهضة للهجرة، وهو أمر استدعى استنكارًا عربيًا وإسلاميًا واسعًا.

إن التعدي على المقدسات الدينية ليس من حرية التعبير لا في قليل ولا في كثير، وإنما هو رِدة حضارية وهمجية تضرب بالقيم الإنسانية عرض الحائط، وتعود بالسلوك البشري إلى عصور الظلام، وتغذي مشاعر العنف والكراهية، وتقوِّض أمن المجتمعات واستقرارها، ومن المفيد هنا سن تشريعات دولية تمنع الإساءة للمقدسات الدينية وللأمم والشعوب وكفالة الضمانات اللازمة لحماية حقوق الجميع في ممارسة شعائرهم الدينية في مجتمعاتهم التي يعيشون فيها.

ربما تكون شعبية اليمين المتطرف في أوروبا ازدادت بسبب تدفق آلاف اللاجئين إليها، ما دفع بالكثير من مواطني تلك الدول إلى انتخاب الأحزاب المعارضة لاستقبال اللاجئين، وهي أحزاب غالبيتها يمينية متطرفة تستخدم التمييز والأفكار العنصرية لحماية الهوية التي تعتبرها مهددة من قبل الأجانب واللاجئين، ويبدو أن ازدياد شعبية زعماء اليمين المتطرف وأحزابه يمثل بشكل أو بآخر انعكاسًا لفشل الحكومات الأوروبية في إيجاد حلول للمشكلات المزمنة التي تعاني منها بلادها، وعلى رأسها المشكلات الاقتصادية.

في فرنسا مثلا سيبدو الأمر أكثر سوءا فيما لو فازت زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان في الانتخابات الرئاسية، خاصة وأنها برنامجها الانتخابي يقوم على أمور وعود مثل وضع قيود على الهجرة والحجاب، وإضافة بنود على الدستور الفرنسي تجعله فوق القانون الأوروبي والدولي، وهو ما قد يؤدي لتقويض قانون الاتحاد الأوروبي وتهديد السوق الموحدة.

بالمقابل يمد اللاجئين الغرب بالقوة العاملة التي يحتاجها ويوفر استدامة نموه الاقتصادي، وكثير منهم تفوق وقدم الكثير على صعيد الطب والهندسة وغيرها، إضافة إلى أن أعدادًا كبيرة من اللاجئين تقبل العمل في أعمال دنيا لا يقبل عليها الأوربيين عادة، لذلك على الجميع أن يبادر إلى تقدير من يقدم لمجتمعه وإنسانيته عملا مفيدا كائنا من مكان.

والمشكلة الأكبر هي أن بعض الحكومات والأحزاب السياسية في أوروبا تضطر إلى مغازلة اليمين المتطرف بهدف كسب مزيد من الأصوات الانتخابية، ونذكر كيف أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أثار جدلا كبيرا حين أشار في خطاب له إلى أن مسلمي فرنسا، يمكن أن يشكلوا «مجتمعًا مضادًا»، وأن الإسلام يواجه «أزمة» في جميع أنحاء العالم، قبل الكشف عن خطته لمعالجة ما اعتبره «مجتمعًا موازيًا» في فرنسا.

في الواقع، يكاد اليمين المتطرف ينافس في خطورته على الغرب حركات السلفية الجهادية التي تنشط داخل الدول الغربية بين الفئات الأكثر تهميشا هناك، ويواجه عناصرها صعوبات في دخول دول غربية، لكن بالمقابل لا تقتصر المواقف اليمينية المتطرفة على هوامش المجتمع، ولكن يمكن العثور عليها بشكل متزايد ضمن مكونات التيار الرئيسي هناك، ولا تواجه عناصر اليمين المتطرف صعوبات تذكر للسفر إلى أي مكان اختاروه موقعا كي يضربوا ضربتهم ضد من يعتبرونهم «أعداء» وعلى رأسهم المسلمين.

لماذا لا يتعلم العالم كله؛ وخاصة المتطرفون والمتعصبون من جميع الدول والأديان؛ الدرس من فيروس كورنا؟ هل سمعنا أن هذا الفيروس يميز بين أبيض أو أسود أو مسلم أو مسيحي مثلا؟ ألم تؤكد لنا جائحة كورونا أهمية أن نتحد كبشر في وجه الأخطار؟ وأن جمعينا في مركب واحد لا نحتاج فيه إلى مزيد من المخربين والدمويين والطائفيين واليمينيين والمتعصبين.

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s